واحةُ الكلمات




 بقلم حسَن معريش

في صحراءِ صمتٍ حيثُ تحترقُ الأرواح،

حينَ يذبلُ الأملُ ويصعدُ الشكُّ كالرَّماد،

أبحثُ عن سرابٍ حلوٍ بوميضٍ وضّاء،

عن بستانِ قولٍ فيهِ تُبعثُ الأماني من جديد.

"""

أمشي على ريحِ أفكارٍ مبعثرة،

تثقلُ خُطايَ ساعاتٌ مُنهكة،

لكن فجأةً، عند أفقٍ خفيٍّ بعيد،

ينبثقُ نهرُ مقاطعٍ ويرسمُ موعدَه الفريد.

"""

تلكَ واحةٌ مقدّسةٌ تستريحُ فيها العبارات،

حيثُ تزهرُ الأفعالُ بنشواتٍ غريبات،

وحيثُ تتعطّرُ الأسماءُ بأبديةٍ هشة،

ويغدو كلُّ زفيرٍ أنشودةً متمرّدة.

"""

هناكَ للكلماتِ أجنحةٌ مغموسةٌ في الضياء،

تُهدّئُ الألمَ وتُؤانسُ صيفَ الرجاء،

تعرفُ كيفَ تواسي الجراحَ العميقة،

وتُفجّرُ الحياةَ من ضيقِ الخليقة.

"'"

تحتَ نخيلِ المعاني حيثُ اللغةُ تتمايل،

تتساقطُ الحروفُ ذهبًا وتتكاثفُ كالسلاسل،

تنسجُ للعدمِ ثوبًا يكسوهُ البيان،

وتطرّزُ على الفراغِ حلمًا متوهّجَ الألوان.

"""

الفواصلُ تحطُّ كطيورٍ مهاجرة،

والنقاطُ تزرعُ السلامَ في حدائقٍ زاهرة،

والجُملُ تمتدُّ كأنهارٍ وديعة،

تغتسلُ فيها الروحُ من جراحٍ موجعة.

"""

في هذهِ الواحةِ النقيّة حيثُ الفكرُ يتنفّس،

تصبحُ الكلماتُ نبعًا والنبعُ يتنهّدُ ويهمس،

يُسرُّ للقلوبِ بأسرارٍ طواها النسيان،

ويُحيي الأناشيدَ التي نفاها الزمان.

"""

كلُّ كلمةٍ بئرٌ ترتوي منهُ الأحزان،

وكلُّ بيتٍ جسرٌ فوقَ ساحاتِ الامتحان،

وكلُّ قافيةٍ ثمرةٌ نضجتْ من الألم،

نقطفُها ارتعاشًا من بستانِ القلم.

"""

حينَ يكسو صمتُ الليلِ وجهَ الأرضِ السكون،

وحينَ يمتدُّ الخوفُ كبحرٍ من الظنون،

تشعلُ الكلماتُ نارًا على كثبانِ الظلال،

وتهدي الأرواحَ التي أرهقها الانعزال.

"""

هي بذورُ سلامٍ تُنثرُ وسطَ العواصف،

وهي مصابيحُ أملٍ تُفسّرها المواقف،

هي أيادٍ خفيّةٌ ترفعُ الإنسان،

حينَ تقودهُ الحياةُ لصحارى الحرمان.

"""

يا واحةَ الكلمات، يا محرابَ الروح،

يا معبدَ الفكرِ حيثُ يشتعلُ البوح،

تضمّينَ صرخاتِنا وصمتَنا الضائع،

وتحوّلينَ دموعَنا شعرًا رائع.

"""

أنتِ الملاذُ الخفيُّ للقلوبِ الجريحة،

وملجأُ الأرواحِ التي أرهقها الشكُّ فضيحة،

أنتِ ماءُ الأخوّةِ حيثُ الذاكرةُ تغتسل،

لتنقّي آلامَها في ضوءِ الأمل.

"""

حينَ يضيعُ الإنسانُ في متاهاتِ الوجود،

وتغرقُ عيناهُ في قلقٍ بلا حدود،

تكفي كلمةٌ صافيةٌ لكسرِ القيود،

وتفتحُ أمامهُ حدائقَ الخلود.

"""

فالكلمةُ نَفَسٌ أفلتَ من عتمةِ الليل،

وجمرةٌ خفيّةٌ تحتَ رمادِ الملل،

وطائرُ نورٍ بأجنحةِ وعد،

يُغنّي الجمالَ رغمَ الوجعِ المُمتد.

"""

طوبى لمن يُصغي لهمسِها الخفيّ،

ويجمعُ في قلبهِ نقشَها الإلهيّ،

فواحةُ الكلماتِ ليست مكانًا أو مدى،

بل تسكنُ فينا كشمسٍ لا تُرى.

"""

تولدُ من نظرةٍ نحوَ الغيبِ الجميل،

ومن صمتٍ تصيرُ فيهِ الروحُ سبيل،

تولدُ حينَ يجرؤُ العقلُ على الارتحال،

في بستانِ اللانهاية حيثُ الأحلامُ تُنال.

"""

فلنشربْ معًا من ينابيعِ الحروف،

التي وهبتْنا الحياةُ لنحيا من جديدٍ ونطوف،

فالكلماتُ جسورٌ نحوَ الأبد،

وبذورُ خلودٍ في رملٍ مُمتد.

"'"

وإن بدّدَ الغدُ آثارَ المسير،

وطمرَ الزمنُ وجوهَنا في المصير،

فلعلَّ قصيدةً، كبئرٍ بلا قرار،

تحفظُ أنفاسَنا في حضنِها المستنار.

"""

يا واحةَ الكلمات، يا دارَ الزمان،

حيثُ يصيرُ الإنسانُ نشيدًا بلا هوان،

وحيثُ يُسمّى الألمُ أملًا نديّ،

علّ ماءكِ يعلّمنا كيفَ نحكي الحكايةَ بوعيّ.


أ

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology