"ثنائية الرغبة في القابضة على الجمر" (قراءة في التناص واللاوعي).




رؤية نقدية بقلم منال العبادي 



 يحمل عنوان "القابضةُ على الجمر" إحالة واضحة إلى الحديث النبوي الشريف: "يأتي على الناس زمان، الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر". هذا التناص يضع النص في سياق أوسع من مجرد حكاية شخصية، إذ يُؤطر الصراع العاطفي والوجودي الذي تعيشه نسرين ضمن إطار القيم والثبات على المبادئ في زمن تغلي فيه الفتن وتتشابك فيه الرغبات، والجميل في توظيف هذا التناص أنه لا يقع في فخ التباشير المباشر، بل يعمل على مستويين، المستوى الظاهري حيث نسرين "القابضة" على زواجها وحبها رغم إرهاقه لها، كمن يمسك جمرة تحرق يده لكنه لا يفلتها، والمستوى الرمزي حيث الإشارة إلى أن التمسك بالقيم الإنسانية من صدق ووفاء ورحمة في زمن سوق الرغبة والنخاسة، هو فعل مقاومة مؤلم لكنه نبيل.

 النص مبني على صراع ثلاثي الأبعاد: الصراع الخارجي بين نسرين ونجوى، حيث تُمثل نجوى الصوت المغري للانعتاق الزائف وتجسيد الفكرة النيتشوية التي تختزل الإنسان في رغبة وقوة، والصراع الداخلي في نفس نسرين بين صوت الغريزة وصوت الوعي، بين البركان الذي يحرقها والرحمة التي تحفظها، والصراع الرمزي بين قطبين وجوديين متضادين قطب نجوى حيث الجسد سلعة والرغبة سوق والحب وهم والأمان خدعة، وقطب نسرين حيث الجسد أمانة والرغبة تُروَّض والحب تضحية والأمان قيمة. هذا البناء الثلاثي يمنح النص عمقاً فلسفياً، إذ لا يكتفي بعرض موقفين متعارضين، بل يضع البطلة في منطقة وسطى تعاني فيها الاختيار. اختيار الشرفة المطلة على شارع الرشيد، والبيت ذو الشناشيل البغدادية، ليس اعتباطياً، فالشارع العتيق يحمل دلالات العراقة والتراث حيث الشناشيل رمز الهوية البغدادية الأصيلة التي تتعرض للزحف بقيم "سوق النخاسة"، والانفتاح المهدد حيث الشرفة المطلة على الشارع تعكس حالة التمزق بين الداخل الخاص الآمن والشارع المفتوح الذي تمثل نجوى صخبه وإغراءاته. أما الزمن، فهو زمن الغسق والمساء، زمن الحيرة والانتظار، حيث يغادر النهار ولم يحل الليل بعد، حيث يكون القرار مصيرياً في لحظة فاصلة بين النور والظلام.

 تميز النص بحوار فلسفي محمّل بالصورة، حيث تتجاوز اللغة دورها التواصل المباشر إلى التشكيل البصري والنفسي. في خطاب نجوى نلحظ استخدام الاستفهام الاستنكاري مثل: "تراقبينه وهو يغادر..." و"لماذا تكتفين بضحية واحدة؟"، والجمل القصيرة القاطعة كقولها: "الأمان خدعة الخائفين" و"كلنا سلع في سوق الرغبة"، والصور الاستعارية الساخرة مثل: "تمتصين رحيق إنسان وتسمين ذلك شغفاً؟". في خطاب نسرين نجد البناء الاستدراكي المقاوم كقولها: "لستُ أبحث عن ضحية" و"الحرية الشخصية تقصدين؟"، والصور النابضة بالحياة مثل: "بركان بداخلي" و"النواة التي تحمي إنسانيتنا"، والتحول من الدفاع إلى الوعي الذاتي حين تقول: "البديل هو أن أدرك أن الجوع ليس في جسدي، بل في روحي". هذا التباين الأسلوبي يعكس التباين الفكري بين الشخصيتين، ويُظهر قدرة نسرين على بناء خطاب مضاد لا يقل قوة ولا حجاجاً عن خطاب نجوى. يتكئ النص على مجموعة من الرموز المكثفة: فالجمر والبركان يرمزان إلى الرغبة الجامحة والشغف الحارق الذي قد يلتهم أو يُروَّض، والدخان والغيوم الحائرة ترمز إلى الحيرة والضبابية التي تكتنف الخيارات، والقهوة ترمز إلى روتين الحياة وما هو مألوف ومستراح، والسيارة السوداء "التاهو" ترمز إلى القوة المادية والصخب والفخاخ البراقة، والباب الموارب يرمز إلى لحظة الاختيار المفتوحة والمفترق المصيري، ووجه الزوج الشاحب يرمز إلى ثمن التضحية والحب المستنزف والذبول الروحي، والهاتف والرسالة يرمزان إلى صوت الحب البسيط الراسخ والنداء الدافئ. تتكامل هذه الرموز لتخلق نسيجاً بصرياً وحسياً يغني النص ويجعله قابلاً لتأويلات متعددة. النهاية التي تترك نسرين عند الباب الموارب، ويدها على المقبض، وعيناها تغمضان، هي نهاية مفتوحة بامتياز، لكن المؤشرات النصية ترجح اتجاهاً دون آخر. فتصاعد الوعي الذاتي عند نسرين، وخروجها من حالة الدفاع إلى حالة اليقين الفلسفي، يؤشر إلى أنها لن تختار طريق نجوى، مما يرجح البقاء. لكن الإرهاق النفسي، وصورة زوجها الذابل، و"الدموع التي تنهمر"، تترك احتمالاً أن الحل الوسط قد لا يكون ممكناً، وأن انهيار التوازن قد يدفعها للهرب، مما يرجح الرحيل. وفي ترك النهاية مفتوحة تكمن قوة النص، إذ يُشرك القارئ في عملية الاختيار، ويجعله يتساءل: ماذا كنت سأفعل لو كنت مكانها؟ النص لا يقدم وعظاً مباشراً، لكنه يحمل نقداً اجتماعياً عميقاً عبر نقد النزعة الاستهلاكية للعلاقات ممثلة في نجوى التي تحول الجسد والرغبة إلى سلعة في "سوق النخاسة"، ونقد ثنائية "الحرية الزائفة" حيث تُقدَّم الفوضى الأخلاقية كحرية والتبعية للشهوات كتحرر، والدعوة إلى "روحانية الحب" ليس كخطاب ديني جامد بل كقيمة إنسانية تقاوم الاختزال الآلي للعلاقات، وكشف تناقض المرأة المعاصرة بين رغبتها في الاستقلال الجسدي والعاطفي وخوفها من فقدان الأمان ورغبتها في الحب العميق مع عدم استعدادها لدفع ثمنه. اللغة في النص شاعرية دون تكلف، وواقعية دون جفاف، نلحظ ذلك في التشبيهات المحكمة مثل: "كمن يحمل جبالاً على كتفيه" و"كغمام حائر"، والاستعارات الممتدة حيث "البركان" و"الجمر" و"النار" كاستعارة مستمرة للرغبة والشغف، والتضاد البلاغي بين "اللذة الحارقة" و"الخواء" وبين "الحرية" المزعومة و"التبعية" الحقيقية، والمفارقة الدرامية في سؤال نجوى الأخير: "من منا العاهرة الحقيقية؟"، حيث يقلب السؤال المعايير ويُحدث صدمة معرفية. في تقييم النص، نجد الفكرة عميقة وقابلة للتأويل، تناقش ثنائية الرغبة والقيمة في علاقة إنسانية حية، والبناء متقن من صراع خارجي إلى داخلي إلى رمزي مع تصاعد درامي محسوب، والشخصيات متقابلة ومتناظرة وكل منهما تحمل حجتها الخاصة دون أن تكون شريرة بالكامل، واللغة غنية بالمحسنات البديعية دون تكلف وسلسة وحوارية، والتناص موفق جداً إذ يربط الشخصي بالكوني والخاص بالمتواتر من القيم، والنهاية مؤثرة ومفتوحة تترك أثراً نفسياً وفكرياً لدى القارئ. "القابضةُ على الجمر" نص أدبي ناضج يلامس قضايا وجودية وأخلاقية راهنة بأسلوب درامي شيق، يستلهم التراث الديني والأدبي من خلال التناص مع الحديث النبوي ليؤسس لرؤية إنسانية تتجاوز ثنائية المتعة والألم إلى فضاء أوسع من الرحمة والوعي.

 القيمة الكبرى للنص تكمن في قدرته على إبقاء القارئ في حالة ترقب وتأمل، وإعادة طرح سؤال أخلاقي قديم بصيغة معاصرة لا تفرض إجابة جاهزة، ومنح الشخصية الأنثوية عمقاً فلسفياً ونفسياً دون أن تقع في فخ التبسيط أو التمثيل الأحادي. 

إن نسرين، في ترجحها الأخير أمام الباب الموارب، ليست مجرد امرأة بين خيارين، بل هي كل إنسان يواجه لحظة الحقيقة حيث تتصادم الرغبات والقيم، وتتلاشى المسافات بين الجمر والماء، بين العبودية للشهوة والحرية الحقيقية التي تبدأ من الداخل. 

فالقابضة على الجمر لا تمسك به لأنه يُدفئ، بل لأنه لا يوجد سواه ما ينير العتمة، وإن أحرق الكفين.



القابضةُ على الجمر بقلم الأديب اسماعيل آلرجب 


جلسنا في شرفة تطل على شارع الرشيد، بيت تتقدم الشناشيل البغدادية واجهته ، زميلتي ايام الدراسة الابتدائية تنظر إلى كوب قهوتها بشرود، تملأها الحيرة كأنّها  تبحث عن شيء مفقود ، تعبئ رئتيها بشهقة عميقة من دخان سيجارتها وتنفثه ليتشكّل حولها الى مايشبه غيوم حائرة.

نجوى (بابتسامة ساخرة) قالت: "تراقبينه وهو يغادر في الصباح، شاحباً، منكفئا كمن يحمل جبالاً على كتفيه؟. تؤرقكِ غريزتكِ التي لا تهدأ؟ ، تنهكين رجلاً واحداً يحبكِ؟، لماذا تكتفين بضحية واحدة بينما العالم مليء بالرجال والمال؟"

: "لستُ أبحث عن ضحية يا نجوى. هناك بركان بداخلي أظن أحياناً أنه شغف، وأحياناً أراه لعنة. هو يحاول إرضائي على حساب جسده الذي يذوب وروحه التي تذبل، وأنا أعيش في حلقة مفرغة من اللذة الحارقة التي يتبعها شعور بالخواء. لكنه زوجي، يمنحني أماناً لا أريد خسارته."

نجوى (تقترب منّي، وتهمس لي): "الأمان خدعة الخائفين. الجسد الذي تملكين هو ثروة، والغريزة التي تعذبكِ يمكن أن تكون مصدراً لسطوة السلطة وجمع أموال لا تنتهي. رجل واحد لا يمكنه إطفاء حريقكِ، ولا يمكنه ملء خزائنكِ. تنقّلي بين الرجال، خذي منهم ما يشبع رغبتكِ وما يملأ يديكِ بالذهب. "

"الحرية الشخصية تقصدين؟ هل تسمين التبعية لشهوات الغرباء حرية؟ أنتِ لم تشبعي غريزتكِ يا نجوى، بل حولتِ جسدكِ إلى سلعة في سوق النخاسة يتمتّع به الجميع.

صحيح انّ زوجي يبدو شاحباً لأنه يعطيني من روحه وصحته، يواجه ناري بصدقه. أما رجال الصدفة الذين تدعينني إليهم، فلن يروا فيّ سوى لحظة عابرة، سأتحول معهم من امرأة تبحث عن الشغف إلى جسد مستهلك مستباح."

نجوى (تحاول إخفاء ارتباكها وراء قناع من الامبالاة): "وما البديل؟ أن تظلي جائعة، وأن يظل زوجك ذابلاً حتى الموت؟"

كنت اشدّ عزيمتي وارفع ثقتي بنفسي وأنا أوجّه كلامي لها ;"البديل هو أن أدرك أن الجوع ليس في جسدي، بل في روحي. غريزتي ليست وحشاً يجب إطعامه بجثث العلاقات العابرة والمال الحرام يانجوى، سأحمي زوجي من ناري، ليس بالابتعاد عنه نحو الرذيلة، بل بترويض هذا البركان ليكون رحمةً تُحيينا معاً، لا حريقاً يلتهمنا ، الوعي ياصديقتي يبدأ عندما نفهم أن المتعة عابرة ، وأنّ الرحمة تكمن في الحفاظ على النواة التي تحمي إنسانيتنا."

نجوى (تنفث دخانها في وجه نسرين، وتضحك بمرارة وهستيرية): "تتحدثين عن الروح والنواة؟ أيتها القديسة المزيفة! أنتِ تقتلين رجلاً ببطء تحت مسمى الحب! شحوبه ليس تضحية، بل هو انتحار يومي على فراشكِ. أنا على الأقل أقبض ثمن رغبتي ، أما أنتِ فتمتصين رحيق إنسان وتسمين ذلك 'شغفاً'؟ ، من منا العاهرة الحقيقية؟ من تبيع جسدها للغرباء، أم من تستهلك جسد زوجها حتى الفناء لتشبع عطشاً لا يرتوي؟"

(تتسارع دقات قلبي ، اتراجع خطوة للابتعاد عن نفث دخانها): 

-"كفى! أنتِ تُسقطين قاعكِ المظلم عليّ! وأنا لا أقبله..."

نجوى (تقف وتتقدم نحوي بقسوة، محاصرةً إيّاي): "بل تقتلينه! انظري في عينيه غداً.. سترين شبح رجل. أنتِ جائعة لدرجة أن رجلاً واحداً، ولو كان قديساً، لن يكفيكِ. غداً سينهار، غداً سيموت كاهله تماماً، وعندها ستخرجين بحثاً عن حطب جديد لناركِ ، لا تتفلسفي عليّ ، فالشبق الكامن في خلاياكِ أقوى من كل كلماتكِ الجوفاء!"

امسكت نفسي عن صرخة بوجهها ، لكنّ الدموع تنهمر من عينيّ دون ارادتي ، تداخلت في عقلي صورة زوجي الذابل وصوت رغبتها المتوحش):

-  "أنا لستُ مثلكِ! ولن اكون  سلعةً في سوق النخّاسين!"

نجوى (تصرخ بصوت كفحيح الأفاعي): 

"كلنا سلع في سوق الرغبة يا نسرين .. الفرق فقط في لافتة السعر. أنا وضعتُ سعري بالمال، وأنتِ تضعين سعرك بحياة زوجكِ ; اختاري.. إما أن تقتليه تماماً بشغفكِ الأعمى، أو تتركيه يتنفس.. وتأتي معي."

يسود الصمت فضاء الشرفة إلا من صوت الرياح وصخب المدينة البعيد. تنظر نسرين إلى كفّيها، تشعر بنبضاتها المتسارعة ، تتخيل زوجها بوجهه الشاحب وجسده المنهك.

تنظر نجوى اليها بعين الشفقة، تطفئ سيجارتها، وتمشي بخطى واثقة نحو الباب، تفتحه، وتلتفت قائلة: "أنا مغادرة إلى صخبي.. سيارتي التاهو تنتظر بالأسفل، والمقعد المجاور لي فارغ . الخيار لكِ: إما البيت والشحوب.. أو الشارع والحرية."

تخرج نجوى وتترك الباب موارباً.

تقف نسرين في منتصف الغرفة بين تيارين متعاكسين: تلقي نظرة على حقيبتها اليدوية الملقاة على الطاولة، ثم تنظر إلى الهاتف الذي يضيء فجأة برسالة من زوجها:

" حبيبتي انا متعب قليلا لكنّي انتظرك.. لاتتأخّري " 

تتقدم نسرين  خطوات نحو الباب الموارب.. تضع يدها على المقبض. يديها ترتجفان. تنظرإلى اسفل الشرفة ، إلى أضواء سيارة نجوى السوداء تلمع كعين وحش في الظلام، ونظرة إلى الخلف حيث الحب الممزوج بالذنب والذبول.

تغمض عينيها .. ، تأخذ نفساً عميقاً وتحرك المقبض...

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology