في الخامس من حزيران...
يتشكل النص حول تاريخ محوري (5 حزيران/يونيو) يوجهنا ضمنيا إلى نكسة 1967، ليتحول الزمن هنا إلى رمز للهزيمة والاحتلال، تتداخل الرموز لتشكل فضاء أسطوريا كما أشارت له الأستاذة ساميا فالسنديانة رمز الصمود والجذور الفلسطينية/اللبنانية، لكن "الاتكاءات" تحتها توحي بالهزيمة والانتظار العاجز، بينما تحمل "الذيول" – الرمز المركزي المقلق – دلالات متعددة مثل التحول إلى حيوان وهذا دليل على (الاغتراب عن الإنسانية)، علامة العار، الذيل الذي يتبع (التبعية للآخر)، أو حتى رمز الفحش والجسد المنكوب.
أما الأصوات المتكررة (الصفير، الخشخشة، العواء) فترسم مشهدا كابوسيا يقترب من السريالية، حيث الطبيعة نفسها تنقلب إلى شئ يتصف بالوحشية.
يكشف الرمز الأكثر إزعاجا – نمو الذيول لدى الجميع – أي أن الذل ليس عيبا في الآخر، بل جرحا في الذات، فالهزيمة هنا ليست خارجية فقط، بل تتحول إلى وصمة جسدية ترثها الأجيال.
من منظور التحليل النفسي (فرويد، لاكان)، يصور النص حلما نموذجيا للصدمة، حيث الأذناب "تلتف حول العنق" تمثل الخنق الرمزي للصوت والهوية، وتكراره دليل على اضطراب كرب ما بعد الصدمة لدى الطفل الراوي.
كما يقسم الطفل العالم من خلال آلية الانشطار إلى "نحن" و"هم"، لكن المفاجأة أن الذيول تنمو لدى الجميع، مما يوحي بانهيار الحدود النفسية بين الضحية والجلاد حيث يستبطن العدو.
أما اكتشاف الطفل لـ"قطعة لحم طرية تنمو" في مؤخرته فيمثل الرعب من الجسد المختل، وهو مشهد شائع في صدمات الطفولة المرتبطة بالاعتداء أو التشويه الرمزي، فيما يكشف السؤال "أنا حيوان صغير؟" عن أزمة هوية عميقة.
حين يصرخ الطفل في النهاية ويضيع صوته، يتجسد العجز عن التعبير، والشعور باللامعنى الذي ينتج عن صدمة جماعية لا تسمع ولا تعترف بها.
على المستوى السيميائي، يمكن تفكيك النص وفق آليات السيميائيات الثقافية للهرم السيمائي ل(كريستيفا، إيكو، غريماس) فصفير الرياح وحفيف الشجر يحيلان إلى الضجيج الرمادي للحرب والاحتلال، بينما يعبر عواء الكلاب وأزيز الصراصير عن لامبالاة العالم الطبيعي أو تواطؤه. وخشخشة العشب تحت النعال تمثل الاختراق الصامت للفضاء الخاص، أما الذيول الطويلة فتعبر عن العار الموروث والتبعية والتحول إلى وحش، والوجوه المحروثة بالأسئلة تصور التجمد في لحظة الصدمة التاريخية، فيما تمثل البيوت "التعبة من الانتظار" كناية عن استنزاف الروح الجماعي.، يلاحظ هنا الانزياح السيميائي فالذيول لا تحيل إلى شيء خارجي (كما في الحلم) بل إلى شيء نام في الجسد الفلسطيني/العربي نفسه، وهذا قلب للسيميائية التقليدية للعدو (ذيل الشيطان، ذيل الخنزير) ليصبح الذيل مرضا داخليا. كما تبرز المفارقة التناصية مع ذيل "نمرود" أو ذيول الشياطين في الأساطير، لكن الذيل هنا ليس عقابا من إله، بل أثرا ذاتيا للصدمة.
النص ينجز أسطرة الصدمة عبر عين طفل يتشكل وعيه في فضاء الاحتلال. من خلال المزج بين الحلم واليقظة، والنمو الجسدي الغريب (الذيل)،
النص يختبر القارئ في سؤال وجودي مرير "ماذا يحدث لنا حين نصبح أجرأ في الدفاع عن أنفسنا وأوطاننا؟"
فالذيل ليس رمزا للعدو، بل للجرح الذي يتكاثر فينا(الجبن الطوعي) وللتحول القسري من ضحية إلى مخلوق غريب عن نفسه، لاستبطان الخوف حتى يصير جسدا ثانيا ينمو معنا.
في هذا يكمن العمق السيكولوجي للنص الهزيمة لا تهزم فقط، بل تتحول إلى تشريح داخلي للذات العربية المقهورة.
نص يحمل الخيبة التاريخية بثوب اسطوري سريالي.
النص بقلم الأديبة ساميا العطعوط.
في الخامس من حزيران...!
اتكاءات تحت سنديانة
صباحٌ جميلٌ أطلّ علينا
وشمسُ حزيران تصحو
فتعلو
تعرّي جراحاً تنزّ بصمتٍ
وتمضي بعيداً
وتنسى الظلالَ
الجبالَ لدينا
...
صباحٌ حزينٌ أطلّ علينا..
●●●
وحدي، لا أسمع سوى صفير الرياح، حفيف الشجر، تكسّر الفروع، عواء الكلاب، أزيز الصراصير.
الليل يزحف نحوي. أصوات أقدامهم تقترب مني، إنهم يتقدمون، خشخشات العشب تحت نعالهم تخرمشُ أذنيّ، ها هم يقتربون. أذيالهم طويلة، ها هم أمامي، آه. أذيالهم تقترب مني، تلتف حول عنقي... تلتف حول... آ آ آ آ خ ... إني أختنق.
***
صحوتُ على صوتِ صافرةٍ يفضّ صمت المكان.. فتحتُ عينيّ، بحثتُ عن أمي.. رأيتها محنياً ظهرها، ولمحت دمعتين تفرّان من عينيها، تلفتّ حولي، لمستْ نظراتي حزناً، ذهولاً، وجوماً يغطي الوجوه.
أمسكتُ يد أمي، هززتهُ بكفي الصغيرة. سألتها:
- أماه. هل سنعود إلى بيتنا؟
- لم تجب. سألتها:
- أمي، هل لهم قرون؟
- أشارت بالنفي، دُهشتُ، هززْتُ يدها ثانية.
- أمي، هل لهم ذيول؟
- لم تجبْ.
"إذن، لماذا أحلم دوماً بأذنابهم تمتد وتمتد وتمتد حول رقابنا أنا وأخي الصغير وابن جيراننا وابنة عمي وأبي وأمي؟ لماذا؟ ".
تساءلتُ، ولم أصدق إجابات أمي.
تبعتها وإخوتي إلى الخارج. كانت البيوت تعبةً من الانتظار، تنحدر من الجبال متهالكة، تستقر في قعر الخوف، والسماء فراغٌ باهتٌ يحيط بنا، والوجوه تحرثها الأسئلة.
***
دارت أحاديثُ خافتة بين الجيران، قبل أن يأوي كلٌّ إلى بيته مستلباً. دارت في عقلي الصغير خواطرُ غريبة. أحسستُ بشيءٍ يخرج من جسدي. دار الدوار برأسي. جفلتُ، أنزلتُ أخي الصغير عن ساعدي. أجلستُه على الرصيف. مددْتُ يدي إلى مؤخرتي، لمست قطعةً من اللحم الطري، تتحرك لزجة في كفي. تنمو وينمو عليها الزغب. شعرت بالغثيان، ضغطتُ عليها فتألمتُ. أمسكتُ ثوب أمي. التصقتُ بها. تلفتُّ حولي وجلة. خشيتُ أن يكتشف أحدهم أمري.
" أنا حيوان صغير؟؟ يا إلهي".
استرقتُ النظر إليهم لأتأكد أن نظراتهم لا تقربني، صُعقتُ. لمحتُ أذناباً حقيقية تنمو في مؤخرات الرجال، النسوة، الأطفال. حتى أخي الصغير.. بكيتُ بصوت مرتفع. شددْتُ ثوب أمي لتسمعني. صرختُ:
- أمي أنا على حق، إن لهم ذيولاً.
- صدقيني يا أمي. إن لنا ذيولاً.
صرختُ وصرختُ. لكن صوتي ضاع في ضجيج أحاديثهم الفاترة الكئيبة..
