زيارة مقبرة… رحلة إلى ماضٍ بعيد




 بقلم.هيا برماوي

دخلتُ من بوابة المقبرة بخطواتٍ ثقيلة. لا أخفيكم، كلما اقتربتُ منها انقبض قلبي وارتعشت أطرافي. مرعبةٌ تلك البوابة الضخمة؛ تبثُّ الرهبة في القلب والروح، فخلفها ترقد آلاف الأرواح، وفي كل قبرٍ حكاية.


دخلنا، وتوجهتُ مباشرةً إلى قبر جدتي. كنتُ أتوق لسماع صوتها ومحادثتها، وشعرتُ أن قلبي سبقني إليه.


في كل مرة أذهب لزيارتها، لا أعود كما كنتُ أبدًا. أكاد أُقسم بمن أحلّ القسم، لم يمر عليَّ أقسى ولا أعظم من فراقها. لم أعرف طعم الفرح منذ ذلك اليوم الذي رقدت فيه تحت التراب.


جثوتُ على ركبتي، أبكيها وأحدثها، وأنا أدرك جيدًا أنها تسمعني. وللوهلة الأولى شعرتُ أنني سمعتُ صوتها يهمس لي.


تلفتُّ حولي، ثم عدتُ بنظري إلى قبرها. لم أكن أتوهم، كنتُ أشعر أنها قريبة. أسمع صوتها من جديد؛ النبرة ذاتها، واللهفة ذاتها، لم تغيّرهما السنوات التي قضتها تحت التراب.


جلستُ أتأمل المكان، وأفكر: كيف نحن فوق التراب، ومن نحبهم في جوف الأرض؟ لا نستطيع أن نعانقهم أو نراهم، بل نبكيهم بصمتٍ موجع.


تنهدتُ وأنا أردد بيني وبين نفسي:

هل حقًا نسمع صوت الموتى؟ أم أن الشوق يصنع لنا أصواتهم؟


حدثتها طويلًا كما كنتُ أفعل في حياتها. أخبرتها كم أشتاق إلى مجالستها، وأنني لم أنسها يومًا، وأنني كتبت عنها كثيرًا، حتى جعلتُ من قصة حبها رواية تُخلّد حكايةً لن ينساها أحد، وستُروى طويلًا. وأخبرتها أيضًا أنني أذكرها في كل قصة أكتبها عن الفراق والحنين، وكنتُ أشعر في أعماقي أنها تسمعني، وأنها فخورة بي.


ظللتُ أنظر إلى قبرها مطولًا. لقد طوى هذا القبر سنواتٍ طويلة من الماضي، وفكرتُ كثيرًا: هل جدتي مرتاحة هنا؟ هل احتضنها هذا التراب بعد سنوات الألم والمرض، لتجد أخيرًا السكينة؟


رفعتُ رأسي، فرأيتُ شابًا لا يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره يتقدم نحونا، يحمل في يده إبريقًا من الماء. ألقى علينا التحية بابتسامة هادئة، ثم اقترب من قبر جدتي، وأخذ يرتب التراب حوله ويسقيه بعناية، وكأنه يعتني بقبر أحد أحبته.


راقبته بصمت، وقلت في نفسي: كيف لشاب في مثل عمره أن يعمل في مكان كهذا؟ كيف ينام ويصحو كل يوم بين القبور؟


حزنتُ عليه كثيرًا، فقد قرأتُ عشرات القصص عن حارس المقبرة، وعن أحداث ما بعد منتصف الليل، لذلك كنتُ دائمًا أظن أن هذا العمل مرعب إلى حدٍّ لا يُحتمل.


نهضتُ أراقبه وهو يسير بين القبور بهدوء، بينما كنتُ أتخيل كيف يبدو هذا المكان ليلًا، حين يعمُّه الصمت ولا يبقى سوى القمر شاهدًا على الأرواح الراقدة.


ثم خرجنا من ، لكنني لم أخرج كما دخلتها. شعرتُ بصداعٍ مؤلم كاد يفتك برأسي، 


غادرتُ المقبرة، لكن شيئًا مني بقي هناك… عند قبرها، بين الدعوات والحنين، ينتظر زيارةً أخرى.


بكيتُ جدتي كثيرًا في تلك الليلة، ثم غفوت. رأيتها في حلمٍ وردي، كانت سعيدة جدًا، تبتسم لي وتطمئنني. قالت لي:

“لقد سمعتُ حديثك اليوم… وأسعدني كثيرًا.”


كانت تدعو لي، ولأمي، وهي تغمرها السعادة، ثم قالت:

“صدقيني… أنا بخير هنا. أنا سعيدة جدًا، وكأنني في جنة الخلد.”


ثم اختفت.


استيقظتُ مسرعة أبحث عنها، فلم أجدها. لكن قلبي كان مطمئنًا للمرة الأولى، لأنني شعرت أنها بخير.


قرأتُ لها الفاتحة، ودعوتُ لها بالرحمة والمغفرة، ثم غفوتُ من جديد… لعلني ألتقي بمحبوبتي، جدتي الغالية.


رحم الله جدتي، ورحم الله موتانا وموتى المسلمين أجمعين.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology