بقلم : الدكتور موسى بن حداد جامعة باتنة 1.
ذاك الفجر..
لا ريب فيه آت
سيأتي بلا هفوات
رغم امتداد الآفات
رغم الصواعق الممطرات
منذ فار تنّور المأسات
يجرّ خلفه الليالي المضنيات
وأثقال الأيام القاسية
يجتاح فينا أرخبيل الغربة
يتوغّل به القدر في المتاهات
يفتك بالآهات
آنست نور الفجر
على ضفاف المحطات
ينتظر قدوما
لقطار البطولات
لكنه نام على وسادة الهموم..
وويلات الخيبات
غار في الخوّار
حتى فاته قطار الغزاة
ولم يلوّح بوميض من المعجزات
وبقين عاكفين
على ضفاف الأرض
والتّخوم المرابطة
نفجّر ما تبقى من الآهات
نربك كل الأصوات
نسكت صوت البنادق والدبابات
نقتل غرور الصواريخ والطائرات
رغم الحطام..
رغم الرّماد...
عدنا للحياة.
لكننا بنكهة الأموات..
نترجّى إنهيار كل العروش
وسكوت الأصوات المتعجرفة
وسقوط الرؤوس المدبّرة
ورحيل الأيام المتعبة...
نحلم بضحكة الأوجاع
نصلي آخر الصلوات
في محراب الحرية
نكفكف قساوة العبرات
نحاكي صوت البلابل المهاجرة
بلا وجع بلا أنّات
هناك فوق أرض الرّسالات
نروي حكايات ألف ليلة وليلات
متوارثات عن الجحافل الملثمة....
توقيع : دلندة وناسة
يمثّل العنوان "قدوم الفجر" عتبة سيميائية ذات معنى عميق ودينامي، إذ يشكّل بمفرده حقلًا إيحائيًا يُلقي بظلاله على كامل المتن الشعري؛ هذا العنوان ليس إخبارًا عن لحظة زمنية وحسب، بل إعلان عن انشقاقٍ في الوجود، عن وعدٍ بانتفاضة الضياء، عن ولادة المعنى وسط الخراب، تقول الشاعرة: "ذاك الفجر.. لا ريب فيه آت" يجعل العنوان جملة استشرافية، وجملة تقريرية إيمانية تستبق اليأس وتناقضه؛ إنها تضع المتلقي منذ اللحظة الأولى أمام مفارقة: اليقين كامنا في مركز الشك، والضياء يولد وسط "امتداد الآفات" و"الصواعق الممطرات". وهذا التوتر بين اليقين والخراب يمثل نواة النسق البنيوي للقصيدة.
منذ الأسطر الأولى يتبيّن أن الشاعرة تبني عالمًا متشظيًا، تتداخل فيه أصوات الطبيعة والقدر والتاريخ، ويتحوّل الفجر من ظاهرة كونية إلى كائن ملحمي يجرّ خلفه الليالي، كأنّه مسافر مثقل بنُدوب الأزمنة، ويتجلى التناص الديني في عبارة:“فار تنور المأساة” كاستعارة كونية تُشيّد فضاءً أسطوريًا يستدعي قصة الطوفان، إذ يصبح التنّور هنا؛ علامة على لحظة الانفجار الوجودي الأولى التي انفتح منها باب الألم، وهذا الإحالة القرآنية تُكسب القصيدة عمقًا تداوليًا وتاريخيًا عميقين، وتحول الفجر إلى وعدٍ بالخلاص بعد غمرٍ طويل.
إنّ الشاعرة في هذا المقطع لا تقدّم وصفًا، بل تشكّل لوحة من الرموز: (الفجر، التنور، المأساة، الليالي المضنيات، أثقال الأيام). كل هذه المفردات تعمل ترميزيًا على تثبيت البنية الدلالية الأساسية: (الصراع بين النور والظلمة، بين الحياة والموت، بين الرجاء والانكسار). وهنا؛ تتجلّى الأسلوبية في استعمال الأفعال المضارعة التي ترسم حركة مستمرة: (يجرّ، يجتاح، يتوغّل، يفتك)؛ وهي أفعال عنيفة تشير إلى قدر لا يرحم، لكنها تقابلها لاحقًا أفعال تشكل أفقًا آخر مثل: "أنست نور الفجر"، "نربك"، "نقتل غرور"، هذا التدرج الحركي يعكس جمالية خاصة مبنية على ديناميكية النص الداخلي.
وعندما تقول الشاعرة: "آنست نور الفجر على ضفاف المحطات"، تتشكل طبقة سيميائية جديدة، حيث المحطة ليست مكانًا فحسب، بل هي زمن الانتظار الإنساني، ولحظة معلّقة بين ما كان وما سيكون، نور الفجر هنا لا ينفجر، بل يُؤنَس، أي يُدرَك إدراكًا داخليًا، كأنّ الشاعرة تستحضر نورًا معنويًا قبل نوره الفيزيائي، لكنّ هذا النور "ينتظر قدومًا لقطار البطولات"، ما يشي بأن الفجر ليس فعلًا مباشرًا، بل هو معطّل بسبب نوم الإنسان "على وسادة الهموم". وهنا، يتدخل العامل الإنساني ليبطئ حركة الخلاص، مما ينتج نسقًا حجاجيًا: الطبيعة مستعدة للنهضة، لكن الإنسان مثقل بالعجز.
إنّ فقدان قطار البطولات يفكك بنية الحلم الأولى؛ لقد كان الخلاص ممكنًا لكنه ضاع، ولم يلوّح الفجر "بوميض من المعجزات"، مما يجعل النص ينتقل من الميثولوجيا (الفجر كخلاص كوني) إلى الواقعية المرة (الفجر لا يكفي ما دام الإنسان غارقًا في الوهن).
هذا الانتقال من الأسطوري إلى الواقعي هو أحد أبرز آليات التشكيل في القصيدة؛ فهو يقيم صراعًا جماليًا بين المأمول والمتحقق، وبين ما يجب أن يكون وما هو كائن.
ثم تتشكل مرحلة جديدة حين تقول الشاعرة: "وبقينا عاكفين على ضفاف الأرض والتخوم المرابطة". هنا؛ ينتقل النص من صراع داخلي إلى فعل جماعي، حيث الضفاف لم تعد ضفاف المحطة، بل ضفاف العالم كله، ويظهر في هذا المقطع صوت المقاومة: "نفجّر ما تبقى من الآهات، نربك كل الأصوات، نسكت صوت البنادق والدبابات". إنّها عودة الإنسان إلى دوره في التاريخ بعد أن تخلّى عنه.
وتتمثل جماليات هذا المقطع في مزج اللغة الحربية (البنادق، الدبابات، الصواريخ، الطائرات) مع لغة داخلية عاطفية (الآهات، الهموم، العبرات)؛ إنّها ثنائية "الداخل/الخارج"، "الجسد/الحرب"، "الوجع/الآلة"، وهو مزج يحمل بعدًا نقديًا للواقع المعاصر.
ورغم الحطام والرماد، تقول الشاعرة: "عدنا للحياة.. لكننا بنكهة الأموات". وهذه العبارة تشكل قلب القصيدة؛ إنها تلخّص المعنى الوجودي العميق للعمل، حيث العودة إلى الحياة ليست انتصارًا كاملاً، بل هي عودة ناقصة، عودة فاقدة لحرارة الوجود. فالنكهة هنا؛ علامة سيميائية على اختلال الحضور الإنساني، إذ إنّهم أحياء عضويًا، موتى وجدانيًا. وهنا، تظهر براعة الشاعرة في مطابقة اللفظ للمعنى: "نكهة الأموات" عبارة تُحدث صدمة، تكثّف تجربة مجتمع عاش الكوارث حتى استعصى عليه التمييز بين النجاة والفقد.
ثم يغدو النص أكثر صراحة في الجانب الثوري: "نترجّى انهيار كل العروش". لكنّ الشاعرة لا تسقط في خطاب مباشر؛ فهي تحوّل هذا الترجّي إلى صورة شعرية، إذ تربطه ب:"سكوت الأصوات المتعجرفة" و"سقوط الرؤوس المدبّرة"، ما يجعل الصراع ضدّ الاستبداد صراعًا ضدّ "الصوت" لا ضدّ الجسد؛ ضدّ "تدبير الشر" لا ضدّ الأشخاص، وهذا البعد الأخلاقي يضفي على النص قيمة جمالية وإنسانية.
لتتصاعد الدلالة الروحية حين تقول: "نصلي آخر الصلوات في محراب الحرية". وهنا؛ تتحول الحرية إلى مكان مقدّس، إلى معبد، إلى بديل عن كلّ محراب آخر، والصلوات الأخير" ليست نهاية، بل بداية عهد جديد، إذ تقترن بـ:"كفكفة العبرات” و"محاكاة البلابل المهاجرة"، وهي صور تجمع بين التطهير الداخلي والانطلاق نحو أفق جديد.
والمقطع الأخير "هناك فوق أرض الرسالات نروي حكايات ألف ليلة وليلات متوارثات عن الجحافل الملثمة" هو تتويج أسطوري. فـ:"أرض الرسالات" هي مكان المعنى، ومكان الولادة الحضارية، ومكان القداسة، و"ألف ليلة وليلات" ليست مجرد حكايات، أو تناصا تاريخيا بل هي تراث من السرد الجماعي الذي يصنع الهوية. أما "الجحافل الملثمة" فتمثل البعد البطولي، الاستمرارية التاريخية، الأسلاف الذين واجهوا الظلم وتركوا وصاياهم، هكذا يتلاحم الزمن القديم والزمن الحديث، الماضي والمستقبل، في صورة واحدة.
هذا وتتميز القصيدة بنسق لغوي متين يقوم على التوازي والتكرار الإيقاعي (رغم، رغم / نربك، نسكت، نقتل / نترجّى، نصلي، نكفكف)، ويُلاحظ بناء جملة يتراوح بين الامتداد الكثيف (الجمل الطويلة المتلاحقة)، والقطع المفاجئ (عبارات قصيرة تخلق توترًا)، وهذا المزج بين الإطالة والتقطيع يعكس هيجان العالم الداخلي للشاعرة، ويحاكي في الوقت نفسه نبض الأحداث التي تصفها.
