بقلم الكاتبة الصحفية/سهام فودة
لم يعد أخطر ما تفعله وسائل التواصل الاجتماعي أنها تسرق وقتنا، بل أنها غيّرت علاقتنا بالحياة نفسها. أصبح كثيرون لا يعيشون اللحظة ليشعروها، وإنما ليصوروها، ولا ينجزون الشيء لأنهم يحبونه، بل لأنهم ينتظرون اللحظة التي سيعلنون فيها عنه. وكأن الحياة لم تعد تُعاش، بل أصبحت تُجهَّز للنشر.
هذه ليست مبالغة، إنها ملامح عصر كامل.
تأمل ما يحدث حولك. مطعم جديد لا تكتمل زيارته قبل تصوير المائدة. رحلة لا تبدأ قبل التقاط عشرات الصور. هدية لا تفرح صاحبها بقدر ما يفرحه نشرها. حتى الأعمال الخيرية لم تسلم أحيانًا من عدسة الهاتف، فأصبح البعض يوثق العطاء أكثر مما يعيشه، ويبحث عن التصفيق أكثر مما يبحث عن الأثر.
شيئًا فشيئًا، تغيرت الأولويات. لم يعد السؤال: هل أنا سعيد؟ بل أصبح: هل سيرى الناس أنني سعيد؟ ولم يعد الإنجاز غاية، بل صار مادةً لمنشور جديد. وهنا تبدأ أخطر خسارة؛ لأن الإنسان عندما يعتاد أن يرى نفسه بعين الجمهور، يفقد القدرة على رؤيتها بعين نفسه.
وسائل التواصل لم تطلب منا أن نكشف حياتنا، لكنها كافأت من يفعل. كلما زادت التفاصيل، زاد التفاعل. كلما اقتربت الكاميرا من الحياة الخاصة، ارتفعت المشاهدات. وهكذا بدأت الخصوصية تتراجع، لا لأنها فقدت قيمتها، بل لأننا استبدلنا بها متعةً سريعة اسمها "الاهتمام".
لكن الاهتمام شيء... والقيمة شيء آخر.
التفاعل لا يعني الاحترام، وكثرة المتابعين لا تعني عمق التأثير، والانتشار ليس دليلًا على المكانة. فقد يعرفك آلاف الأشخاص، ولا يعرفون عنك إلا ما اخترته الخوارزميات لهم. وقد يصفقون لمنشور اليوم، ثم ينتقلون غدًا إلى منشور آخر، كأن شيئًا لم يكن. فالعالم الرقمي سريع النسيان، يستهلك الوجوه كما يستهلك الأخبار.
وهنا يقع كثيرون في فخ لا ينتبهون إليه؛ يظنون أن عليهم في كل يوم أن يكشفوا شيئًا جديدًا عن أنفسهم حتى يبقوا حاضرين. فيتحول الإنسان إلى مشروع عرض دائم: هذا بيته، وهذه أسرته، وهذا خلافه، وهذا نجاحه، وهذا فشله، وهذا حزنه، وهذا قراره، حتى لا يبقى في حياته ركن لم تدخله الكاميرا.
والمؤلم أن ما يُنشر يفقد ملكيته تدريجيًا. فبمجرد أن يصبح جزءًا من الفضاء العام، تبدأ التأويلات، والأحكام، والمقارنات، والتدخلات. وما كان يومًا ذكرى شخصية، يتحول إلى مادة للنقاش، وربما للسخرية أو الحسد أو الشفقة. عندها يكتشف الإنسان أنه لم يشارك لحظة من حياته فقط، بل سلّمها إلى جمهور لا يعرفه.
ليس المطلوب أن نغلق حساباتنا، ولا أن نهجر العالم الرقمي، فهو مساحة للتعلم، والتواصل، وصناعة الفرص. لكن الفرق كبير بين من يستخدم المنصة ليقدم فكرة، وبين من يجعل نفسه هي الفكرة. الأول يترك أثرًا، والثاني يظل يبحث عن انتباه لا يشبع.
هناك أشخاص نقرأ لهم لأن لديهم ما يقولونه، وهناك آخرون نتابعهم لأنهم لا يتوقفون عن الكلام. وبين الاثنين مسافة تصنعها الحكمة.
أجمل ما يمكن أن يحتفظ به الإنسان في هذا العصر ليس هاتفًا أحدث، ولا عددًا أكبر من المتابعين، بل مساحة لا تدخلها الخوارزميات. مساحة يعيش فيها أفراحه قبل أن يصورها، ويحقق فيها أحلامه قبل أن يعلنها، ويعالج فيها انكساراته بعيدًا عن جمهور لا يعرف كيف يصفق إلا لما يراه.
فليست المشكلة أن تنشر...
المشكلة أن يأتي يوم لا يعود فيه لديك شيء تعيشه خارج شاشة الهاتف.
وعندما تتحول حياتك كلها إلى منشورات، ستكتشف متأخرًا أن أكثر ما استهلكته لم يكن وقتك، ولا بطارية هاتفك...
بل نفسك.
