حين تنحسر الأرض الحمراء: قراءة أنثروبولوجية في بيوت الريف الأردني وذاكرة المكان

 


 د. زهور غرايبة- باحثة في فلسفة الأنثروبولوجيا الاجتماعية

ننظر اليوم إلى امتداد الأبراج الخرسانية التي تزحف على السهول، وإلى الأرض الحمراء التي كانت يومًا جزءًا من المشهد الريفي الأردني قبل أن تبتلعها العمارة الحديثة، يبدو السؤال أكبر من مجرد تغير في شكل البناء، فالقضية ليست انتقالًا من الطين إلى الإسمنت، وإنما تحولٌ في علاقة الإنسان بالمكان، وفي الطريقة التي كان يفهم بها الأرض التي يعيش عليها.


فالبيت الريفي الأردني الذي كان يُبنى من الأرض أصبح يُبنى فوقها.


كان التراب يُجمع من أطراف الحقول، ويُنقّى من الحجارة، ثم يُخلط بالتبن والماء حتى يتحول إلى كتلة لينة تعجنها الأقدام لساعات طويلة، ولم تكن الآلات جزءًا من هذه العملية؛ كانت الأجساد هي التي تمنح الطين حياته الأولى، قبل أن يُسكب داخل قوالب خشبية، فيتحول إلى لبنات تجف تحت الشمس، استعدادًا لتصبح جدرانًا تحمل حياة كاملة. 


في هذا المشهد لا يبدو التراب مادة خامًا، لكنه شريكًا في صناعة البيت، فالجدار يحمل اللون نفسه الذي تحمله الأرض، والبيت يخرج من البيئة المحيطة كما تخرج السنابل من الحقول، ولذلك لم يكن هناك شعور بالفصل بين الإنسان ومكانه؛ كانت الأرض تمتد داخل البيت، كما يمتد البيت في الأرض.


وحين ترتفع الجدران، يبدأ المجتمع كله بالمشاركة، الرجال يقيمون البناء بالحجر والطين، ويثبتون أخشاب السقف، ويرصفون القصب بعناية، ثم تتولى النساء مرحلة أخرى لا تقل أهمية؛ يغطين الجدران بالطين الأحمر، ويعدن تبييضها بالحجارة الكلسية حتى تكتسب لونها الأبيض، ولم يكن البيت نتاج عمل فردي، إنما ثمرة تعاون جماعي تتداخل فيه الخبرة مع التكافل، ويصبح البناء فعلًا اجتماعيًا قبل أن يكون فعلًا عمرانيًا. 


ولم يكن البيت ينتهي عند حدوده المعمارية، فالحوش كان جزءًا من بنيته، والطابون جزءًا من إيقاعه اليومي، وغرفة الحبوب امتدادًا لدورة الزراعة، والحيوانات عنصرًا من عناصر الحياة المنزلية لا كائنات معزولة عنها، حتى الوقود كان يعود إلى الأرض ذاتها، في دورة تكاد لا تعرف الفائض ولا الهدر، حيث يتحول كل شيء إلى جزء من منظومة الحياة الريفية. 


وكانت البيوت تتجاور كما تتجاور العائلات، جدران متلاصقة، وساحات مشتركة، وأفراح وأتراح تتسع لها القرية بأكملها. وإذا ضاقت الغرف بالحضور، نُصبت الخيام في الساحات، لأن المكان لم يكن يُقاس بعدد الأمتار، بينما بعدد العلاقات التي يحتضنها، وكانت الأسرة الممتدة تعيش تحت سقف واحد، فيصبح البيت فضاءً تتقاطع فيه الأجيال، وتنتقل داخله المعرفة والعادات كما تنتقل الميراثات. 


حتى الأثاث لم يكن سلعة تُشترى، كان حكاية تُصنع، فالحصير يُنسج من القش، والبسط تُغزل من صوف الأغنام، والفرش تمر بمراحل طويلة من الغسل والغزل والحياكة، حتى تصبح كل قطعة شاهدة على جهد جماعي شاركت فيه الأيدي والخبرة والصبر. 


ولأن الحياة لم تكن مثالية، فقد احتفظت الذاكرة أيضًا بتفاصيلها القاسية، كانت مياه الشتاء تتسرب من سقوف القصب، فتُوزع الأواني داخل الغرف لالتقاط القطرات، ثم يعود الناس لإصلاح ما أفسدته الأمطار، وكانت العقارب جزءًا من البيئة التي يتعايش معها الإنسان، كما يتعايش مع الحر والبرد والمواسم، دون أن يشعر بأنه منفصل عن الطبيعة التي تحيط به. 


اليوم، لا يبدو التحول مقتصرًا على مواد البناء، إذ يمتد إلى معنى المكان نفسه، فالسهول التي كانت تمنح البيوت طينها، والحقول التي كانت تُشكل جزءًا من الحياة اليومية، تتراجع أمام عمران متسارع يستهلك الأرض أكثر مما يحاورها، وهنا لسنا أمام مقارنة بين بيت طيني وآخر إسمنتي، فلكل زمن احتياجاته، لكننا أمام سؤال أنثروبولوجي أعمق: ماذا يحدث لذاكرة المكان عندما يفقد الإنسان علاقته المباشرة بالأرض؟


ربما لا تكون خسارتنا في اختفاء البيوت الطينية، بل في اختفاء الفلسفة التي قامت عليها؛ حين كان البيت ينبت من الأرض، وتحفظ جدرانه ذاكرة من شيدوه، ويصبح المكان جزءًا من هوية الإنسان، لا مجرد عنوان يسكنه، فالمكان، في النهاية، هو ما يتركه فينا، وما نتركه نحن فيه.


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology