يقف الأردن اليوم في مواجهة تحدٍّ في كيفية المحافظة
على إرثه الثقافي الغني في عصر يموج بالتغيرات الرقمية المتسارعة؟ إنّ الجواب الذي
تراه جمعية نهر اليرموك للتنمية الثقافية واضحاً، هو أن نُسخِّر التكنولوجيا لتكون
حارسة أمينة لهذا الإرث، لا بديلاً عنه.
فالمملكة التي تزخر بمواقع أثرية تعاقبت عليها
حضارات منذ آلاف السنين، وتحتضن تراثاً شعبيّاً حيّاً يتجلى في الأغاني والحكايا الشعبية، والطقوس والعادات الاجتماعية الأصيلة، تجد في الذكاء الاصطناعي والتحول
الرقمي سبيلاً لتوثيق هذا التراث ونقله للأجيال القادمة بصورة تفاعلية جذابة .
لقد أثبتت التجارب المحلية أن دمج التقنيات
الحديثة في العمل الثقافي يُحدث فرقاً ملموساً. فالمنصات الرقمية التي تقدم محتوى
تراثياً باللغتين العربية والإنجليزية، كما في مشروع "سكيتشفاب" لتوثيق
المواقع الأثرية في فينان، نجحت في جعل علم الآثار قريباً من شبابنا بلغتهم الأم، فأزالَت
الحواجز التي كانت تفصلهم عن تراثهم .
وفي السياق نفسه، طوّعت
جائزة الحسين بن عبدالله الثاني للعمل التطوعي الذكاء الاصطناعي في تقييم الطلبات،
مما يعكس وعياً متنامياً بقدرات هذه التقنيات في خدمة العمل الوطني .
إن ما نقوم به في جمعية نهر اليرموك هو جزء من
رؤية أوسع، تهدف إلى جعل السردية الثقافية الأردنية حاضرة في الفضاء الرقمي بقوة
واقتدار. ولا يقتصر الأمر على النشر، بل يتعداه إلى إعادة صياغة الخطاب الثقافي
نفسه، بحيث يُخاطب العاطفة والفكر معاً، ويُبني جسوراً بين الماضي العريق والحاضر
المتطلع إلى المستقبل.
لكنَّ هذه الرحلة لا تخلو من عقبات؛ فهناك
تحديات تتعلق بحماية الملكية الفكرية في الفضاء الرقمي، وضمان دقة المعلومات،
وبناء نماذج ذكاء اصطناعي تفهم خصوصية الثقافة العربية وتعكسها بأمانة. وهنا تأتي
أهمية التعاون بين المؤسسات الثقافية والجهات الأكاديمية والتقنية، كما هو الحال
في شراكة وزارة الاقتصاد الرقمي مع القطاع الخاص لنشر ثقافة الذكاء الاصطناعي .
إن مستقبل ثقافتنا
يعتمد على مدى قدرتنا على مزج حكمة الماضي بأدوات الحاضر. ومع إيماننا الراسخ
بأصالة تراثنا، فإننا في جمعية نهر اليرموك ندعو إلى مزيد من الاستثمار في
التقنيات الثقافية، ليس لحماية الماضي فحسب، بل لبناء مستقبل تُروى فيه حكايات
الأردن بلغة العصر، ويبقى صوته مسموعاً ومؤثراً في المشهد الثقافي العالمي.
