عسل الحب المر

  


الكاتبة هيا برماوي


نهضتُ بثقلٍ من فراشي، ونظرتُ إلى الساعة؛ كانت تشير إلى السادسة صباحًا توجهتُ إلى دورة المياه، اغتسلت، ثم خرجتُ إلى المطبخ، أعددتُ فنجان قهوتي، وحملته إلى حديقة المنزل..


منذ صغري وأنا مولعةٌ بالنحل والعناية به، فقد ورثتُ هذا الشغف عن والدي. كان يقول لي دائمًا:


“النحل لا يمنحك العسل إلا إذا منحته الصبر..”


ومنذ رحيله، أصبحتُ أردد عبارته كلما وقفت أمام المنحلة.


جلستُ إلى الطاولة الخشبية أتأمل صباح قريتنا الهادئ. كانت أشعة الشمس تتسلل بخجل بين الأشجار، والندى يزين أوراق الزهور، بينما كانت النحلات تخرج من خلاياها بنشاط، كأنها تحفظ نظامًا لا يخطئ أبدًا.


كنتُ أقلب نظري بين خلايا النحل وأراقبها بابتسامة هادئة، إلى أن لفت انتباهي شخصٌ غريب يقترب من منزلي، يحمل حقيبة سفرٍ بيده.


شعرتُ بشيءٍ غريب يجتاح صدري، لا أعرف ماهيته. أخذت نبضات قلبي تتسارع دون سببٍ مفهوم.


اقترب الرجل وقال بابتسامةٍ هادئة:


صباح الخير يا آنسة.


ابتسمتُ بخجل ورددتُ التحية ..


ثم قال:


أنا ماجد… وهذه قريتي. لكنني غادرتها مع أهلي وأنا طفل صغير، وعدت إليها اليوم بعد سنوات طويلة. أصبحت طبيبًا، وبعد وفاة والديّ قررت أن أعود لأعيش هنا من جديد.


رحبتُ به وقلت:


وأنا هيام… ابنة هذه القرية ، ورثتُ هذا البيت والمنحلة عن والدي، وأعيش هنا وحدي منذ عدة سنوات.


دعوتُه لشرب القهوة، فقبل الدعوة بلطف، وجلسنا نتبادل أطراف الحديث.


اكتشفتُ أنه هادئ الطباع، كثير الإصغاء، ولا يتحدث إلا عندما يجد للكلمات معنى.


أما أنا، فحدثته عن شغفي بالكتب، وعن القصص التي أكتبها في أوقات الفراغ، فابتسم وقال:


يبدو أنني لم أعد إلى القرية وحدها… بل عدت إلى مكانٍ يسكنه الجمال أيضًا.


احمرّ وجهي خجلًا، وغيرتُ الحديث بسرعة.




في صباح اليوم التالي، بينما كنتُ أرتب خلايا النحل، وجدته يقف عند الباب.


قال مبتسمًا:


هل تسمحين لطبيب أن يصبح مساعدًا لمربية نحل؟


ضحكت لأول مرة منذ زمن.


ناولته القناع الواقي وقفازات العمل، وبدأ يساعدني في نقل بعض الإطارات الخشبية.


لكن إحدى النحلات استطاعت أن تجد طريقها إلى يده، فلسعته.


انتفض وهو يتأوه، بينما انفجرتُ ضاحكة حتى دمعت عيناي.


نظر إليّ متظاهرًا بالغضب وقال:


هذه مؤامرة… نحلكِ لا يحب الغرباء.


قلت وأنا أكتم ضحكتي:


بل يختبر نواياهم أولًا..


ضحكنا معًا، وكانت تلك أول مرة أشعر فيها أن هذا المكان لم يعد موحشًا كما كان..


أصبحت زيارات ماجد تتكرر..


كان يحضر كل صباح تقريبًا، يحتسي القهوة معي قبل أن يذهب إلى عمله في المستوصف الصغير.


وأحيانًا يساعدني في المنحلة، رغم أنه لم يكن يجرؤ على الاقتراب من النحل كثيرًا.


وذات يوم، عاد من المدينة يحمل كيسًا صغيرًا.


قال وهو يناوله لي:


هذا لكِ..


فتحته، فإذا به كتاب لرواية كنت أبحث عنها منذ أشهر.


نظرت إليه بدهشة..


قلت:


كيف عرفت؟


ابتسم وقال:


لأنكِ تحدثتِ عنها في أول لقاء بيننا، ويبدو أنكِ لا تتذكرين… أما أنا فما زلت أتذكر كل كلمة قلتِها..


فتحت الصفحة الأولى من الكتاب.


وجدت بخط يده:


“إلى هيام…

لعل الكتب تجمع بين الأرواح كما يجمع العسل رحيق الأزهار..”


ظللت أحدق في الإهداء طويلًا، بينما كانت ابتسامتي تكبر دون أن أشعر..


ومنذ ذلك اليوم، صار الكتاب أغلى من أي كتابٍ امتلكته في حياتي..



مرت الأسابيع سريعًا 


كنا نلتقي كل صباح، ونتحدث عن كل شيء.


عن الأحلام…


عن السفر…


عن الكتب…


وعن الحياة التي تمنح بعض الناس الكثير، وتحرم آخرين من أبسط أمنياتهم.


وفي كل مرة يغادر فيها، كنت أشعر أن شيئًا مني يرحل معه.


وكلما اقترب موعد لقائنا التالي، كنت أبتسم دون سبب.


حينها فقط…


أدركت أن قلبي لم يعد ملكي..


وذات ليلة، نهضتُ من فراشي بصعوبة. كان جسدي مشتعلًا، وتحسستُ جبيني فوجدت حرارتي مرتفعة جدًا. حاولت الوقوف، لكن قدمي لم تعودا تقويان على حملي.


تشبثتُ بالجدار، ومشيت خطواتٍ متعثرة حتى وصلت إلى الهاتف القديم.


بيدٍ مرتجفة أدرتُ قرصه، ولم أتذكر سوى رقمٍ واحد…


رقم ماجد.


لم يكد الهاتف يرن مرةً واحدة حتى جاءني صوته، دافئًا كما اعتدته.


هيام… أأنتِ بخير؟


همست بصعوبة:


ماجد…


ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال بقلقٍ واضح:


يا عيون ماجد… ماذا بك؟


توقفت أنفاسي لحظة..


كانت تلك أول مرة يناديني بهذه الكلمات..


شعرتُ أن حرارة وجهي ازدادت، ولم أعد أعرف أهي الحمى أم خفقان قلبي..


حاولت أن أجيبه، لكن الكلمات خانتني..


هيام… تكلمي، أرجوكِ..


لم أستطع..


دارت الغرفة من حولي، وسقط الهاتف من يدي، ثم سقطت أرضًا..


كان آخر ما سمعته صوته وهو يصرخ:


هيام… حبيبتي… هل تسمعينني؟


ثم غاب كل شيء..


حين فتحت عيني، كان ضوء الصباح يتسلل عبر النافذة..


شعرت بقطرات ماءٍ باردة على وجهي..


فتحت عيني ببطء، فرأيته جالسًا إلى جانبي، يحمل قطعة قماشٍ مبللة ويضعها على جبيني..


همست بدهشة:


كيف دخلت؟


ابتسم، وأشار إلى النافذة المفتوحة..


لم يكن هناك وقت لطرق الباب..


ضحكت رغم تعبي..


جلس بقربي ساعاتٍ طويلة، يراقب حرارتي، ويعطيني الدواء في مواعيده، حتى بدأ جسدي يستعيد عافيته.


وفي كل مرة كنت أفتح عيني، أجده في المكان نفسه..


كأنه يخشى أن أختفي إن ابتعد للحظة..



في صباح اليوم التالي، استيقظت وقد شعرت بتحسنٍ كبير.


التفتُ نحوه، فوجدته نائمًا على الكرسي الخشبي..


كانت آثار الإرهاق واضحة على وجهه، وقد غلبه النوم وهو ما يزال ممسكًا بعلبة الدواء..


تأملته طويلًا..


لم أرَ في حياتي رجلًا يسهر على راحة أحدٍ كما سهر عليّ..


شعرتُ أن قلبي امتلأ امتنانًا وحبًا..


فتح عينيه ببطء، وما إن رآني مستيقظة حتى ابتسم ابتسامته الهادئة.


اقترب مني، أمسك يدي برفق، وقال:


هيام…


رفعت بصري إليه


قال بعد صمتٍ قصير:


هل تقبلين أن تكوني شريكة عمري؟


شعرتُ أن العالم كله توقف..


لم أستطع النطق..


اكتفيتُ بابتسامةٍ باكية، وهززت رأسي موافقة.


ابتسم، وقبّل ظاهر يدي بكل احترام، وقال:


أعدك أن أجعل ما بقي من عمرك أجمل مما مضى..


لكن الحياة… لم تكن كريمة معنا..


ذهب ماجد إلى المدينة ليطلب يدي من أعمامي..


دخل عليهم مفعمًا بالأمل..


وخرج… مكسور القلب..


رفضوه رفضًا قاطعًا..


ولم يمنحوه حتى فرصة للكلام..


كان السبب خلافًا قديمًا بين عائلتينا، مضى عليه سنوات طويلة، لكنه ما زال يسكن قلوبهم.


حين أخبرني، شعرت أن أحدًا انتزع قلبي من صدري.


قال لي:


لن نبقى هنا… تعالي نتزوج ونرحل. سأبدأ حياتي من جديد، وأنتِ ستكونين معي..


ظللت صامتة..


كنت أريده أكثر من أي شيء..


لكنني كنت أعرف قسوة أعمامي، وأعرف أنهم لن يتركوه وشأنه إن فعلنا ذلك..


قلت له والدموع تخنق صوتي:


لا أريد أن أخسرك بسبب قرارٍ اتخذناه تحت وطأة الحب..


أمسك يدي وقال:


وأنا لا أريد أن أخسرك أبدًا..


لكن القدر كان قد كتب شيئًا آخر..


غادر ماجد القرية من جديد…


وغادر معه كل ما كان جميلًا فيها..


مرت ثلاثة أعوام..


ثلاثة أعوامٍ كاملة…


لكن اسمه لم يغب عن دعائي يومًا، ولم تغب صورته عن ذاكرتي ليلةً واحدة..


كبرت المنحلة..


وأثمرت الأشجار..


وتبدلت الفصول..


أما قلبي…


فبقي واقفًا عند لحظة وداعه..


وفي أحد الصباحات، فتحتُ إحدى خلايا النحل لأجمع أول عسلٍ في الموسم..


سال العسل الذهبي ببطء، فأخذت منه قطرة صغيرة، وتذوقتها..


كان طعمه حلوًا…


لكن شيئًا في داخلي جعلني أشعر بمرارةٍ لا تشبه أي مرارة..


وقعت عيناي على الكتاب الذي أهداني إياه ماجد..


فتحته، فوجدت الإهداء ما يزال كما هو:


“لعل الكتب تجمع بين الأرواح كما يجمع العسل رحيق الأزهار..”


ابتسمت، رغم أن دموعي سبقت ابتسامتي..


أغلقت الكتاب برفق، ونظرت إلى السماء..


همست:


“لقد كان حبك يشبه هذا العسل…

بدأ حلوًا، لكنه ترك في القلب مرارةً لا يزيلها الزمن..”


ومنذ ذلك اليوم…


كلما تذوقتُ العسل، تذكرتُ أن أجمل الأشياء في الحياة قد تكون أكثرها ألمًا..


ولم أرَ يومًا أشد قسوةً من عسل الحب المر…


فبرغم مرارة فراق ماجد، سيبقى عسل أيامي الوحيد، وذكرى العمر التي لن يسرقها النسيان..

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology