حين تتحول الخامة إلى «فن»... قراءة في شيوع المصطلحات غير الدقيقة في الخطاب الفني
بقلم: عبير سعد الدين
في السنوات الأخيرة، ومع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، ظهرت عشرات المسميات التي أصبحت تتردد بكثرة في الإعلانات والدورات التدريبية، مثل: "فن الريزن"، و"فن المعجون البارز"، و"فن الصب"، و"فن التكستشر"، وغيرها من المصطلحات التي انتشرت حتى أصبحت تبدو وكأنها تصنيفات فنية مستقلة.
ورغم أن هذه التسميات قد تحقق هدفًا تسويقيًا، فإنها تثير سؤالًا مهمًا: هل كل خامة أو تقنية يمكن أن تصبح فنًا قائمًا بذاته؟
في الدراسات الأكاديمية للفنون التشكيلية، هناك تمييز واضح بين ثلاثة مفاهيم رئيسية: الفن، والخامة (Material)، والوسيط الفني (Medium)، والتقنية (Technique).
فالخامة هي المادة التي يُنفذ بها العمل الفني، مثل الطين، والخشب، والورق، والمعجون، والريزن، والألوان. أما التقنية فهي الطريقة التي يتعامل بها الفنان مع هذه الخامات، مثل الحفر، أو الصب، أو التشكيل، أو بناء الملامس، أو التلوين. بينما الفن هو المجال الإبداعي الذي يوظف هذه العناصر جميعًا لإنتاج عمل يحمل قيمة جمالية وفكرية وتعبيرية.
ومن هنا، فإن الريزن ليس فنًا مستقلًا، بل خامة يمكن استخدامها في أعمال تصميمية أو تشكيلية متعددة. والمعجون البارز ليس فرعًا فنيًا، وإنما خامة أو وسيط يساعد الفنان على تحقيق تأثيرات ملمسية وبصرية. وكذلك الصب هو تقنية تنفيذ تُستخدم في مجالات عديدة، من النحت إلى الخزف والصناعات الفنية.
ولعل المشكلة لا تكمن في استخدام هذه الخامات أو التقنيات، فهي أدوات ثرية وأسهمت في تطوير ممارسات فنية معاصرة، وإنما تكمن في الخلط بين المفاهيم، حتى يترسخ لدى المتلقي أن كل خامة تمثل فنًا مستقلًا، وهو ما يبتعد عن الاستخدام الأكاديمي للمصطلحات.
إن الدقة في استخدام المصطلحات ليست رفاهية لغوية، بل جزء من بناء الوعي الفني. فاللغة التي نصف بها الفن تؤثر في الطريقة التي نفهمه بها، خاصة لدى المبتدئين والطلاب الذين يعتمدون على المحتوى الرقمي كمصدر للتعلم.
ولا يعني هذا رفض التطور أو معاداة التسويق، بل على العكس، فالفن يتطور باستمرار، وتظهر خامات وتقنيات جديدة كل يوم. لكن التطور الحقيقي لا يتعارض مع الدقة العلمية، بل يستند إليها.
إن مسؤولية الفنان، والمعلم، وصانع المحتوى، لا تقتصر على تعليم المهارة، بل تمتد إلى تقديم المعرفة الصحيحة. فحين نفرق بين الفن، والخامة، والتقنية، فإننا لا ندافع عن مصطلحات جامدة، وإنما نحافظ على لغة الفن، ونبني وعيًا بصريًا أكثر دقة للأجيال القادمة.
فالفن ليس اسم الخامة التي نستخدمها، ولا الطريقة التي ننفذ بها العمل، بل هو الفكرة والرؤية والقدرة على تحويل المادة إلى قيمة جمالية وإنسانية. والخامات تتغير، والتقنيات تتطور، أما الفن فيظل أوسع من أن يُختزل في مادة أو أداة.
