د عبدالله عنان محمد سيف يكتب




لا أحد ينجو من هذه المدينة. تدخلها سائحًا، وتخرج منها متهمًا بالعشق. أكاد أُقسم أن هذه المدينة قطعةٌ من الجنة سقطت على الأرض سهوًا، وأن من يراها لأول مرة سيشك للحظة أن السماء أخطأت في حساب المسافات.  ام  المدن إب   ،  مدينةٌ تنظر إليك أولًا، ثم تقرر إن كانت ستسمح لقلبك بالعودة كما كان، أم ستترك فيه ندبةً اسمها الحنين. في الصباح، تفتح الجبال عينيها ببطء، كأ امرأةٌ تستيقظ على صوت حبيبها. يهبط الضباب من أعالي جبال بعدان  ليمشط شعر الأزقة، وتغسل الشمس وجوه البيوت بحنان أمٍّ تعرف أن أبناءها سيغادرونها مع المساء ويعودون إليها محملين بالتعب. أما الفتيات... فذلك حديثٌ آخر. لا أعرف لماذا أشعر أن الله، حين أراد أن يختبر غرور الجمال، ألقى في هذه المدينة ما يكفي من الفتنة ليجعل الشعراء عاطلين عن الكلام. يمشين بخفة المطر، وبحياء السنابل، وبهدوء الماء حين يمر بين الصخور. لا يتعمدن الجمال، ولذلك يبدو الجمال فيهن أكثر صدقًا، كأن الورد استقال من الحدائق وقرر أن يعيش في الوجوه. بل إنك، لوهلة، تكاد تقسم أن فتيات الحور سيبعثون من من هاذي المدينة. سيقول البعض إنني أبالغ، لكن بعض المدن تُجبرك على المبالغة، لأنها أكبر من اللغة وأجمل من الوصف. تراقب واحدةً منهن وهي تعبر الطريق، فتفهم أن بعض التفاصيل لا تُكتب في كتب البلاغة، بل تُخلق مرةً واحدة ثم تمضي. لهذا لا ألوم العاشقين هنا، فالمدينة نفسها عاشقة. الجبال تعانق الغيم كل مساء، والأشجار تتكئ على الريح، والمطر يزور الأسطح كما لو أنه يشتاق إليها منذ قرون. كل شيء هنا يحب شيئًا آخر، حتى الحجر يبدو وكأنه ينتظر يدًا تربت عليه. أحيانًا أسأل نفسي: هل خلق الله هذه المدينة ليعلّمنا معنى الجمال؟ أم أن الجمال منبعث من جبال بعدان وضواحي جبلة، سيغضب البعض من هذا الكلام، وسيعتبره مبالغة، لكنني على يقين أن كل من عرف هذه المدينة سيبتسم، لأنه يدرك أن بعض المبالغات ليست إلا حقيقةً عجزت اللغة عن حملها. ومن ينجو من حبها فقد نجا من معجزة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology