بسمةُ البُرجِ القديم

 


  بقلم الدكتور موسى بن حداد جامعة باتنة

      كانت حلب ذات مساءٍ رماديٍّ غابر، تشبهُ قيثارةً تنفضُ عنها ذاكرةُ الزمن، تهتزّ أوتارُها بين ريحٍ هادئةٍ وعبيرِ تاريخٍ لا يهرم.. في تلك الأزقّة التي طالما امتلأت بضحكات الأطفال، ورنين النحاس في سوق الصاغة، كانت تسير بسمة الفتاة التي وُلدت وفي عينيها ضوءٌ يشبه فتيلَ قنديلٍ لا ينطفئ مهما اشتدّ الظلام.

      لم تكن بسمة كباقي فتيات حيّ الجلّوم؛ كانت تنصت إلى المدينة كما لو أنّها كائنٌ يتنفّس، تسمع همساتِ جدران البيوت القديمة، وارتجاف الخشب في نوافذ الأزقّة الضيّقة، وتقرأ تاريخا ممتدّا من قلعة حلب حتى آخر دكّانٍ في خان الحرير.. كانت تشعر أنّ روحا سرّية تعكسها المدينة، وتدفعها للمضيّ قُدُما مهما انحنت الأيام.

       ذات مساء، وبينما كان صدى رنات النحاس في السوق تتكسّر على آذانها، سمعت نداءً خافتًا ينبعث من الطريق المؤدي إلى البرج القديم القابع قرب القلعة؛ قيل إن ذلك البرج كان مقاما لحارسٍ قديم يحرس المدينة من غدر الأعداء، وإنّه لا يسمح إلا للجديرين بدخولِ صمته.. تردّدت بسمة أول الأمر، غير أنّ الضوء الذي في قلبها كان أقوى من الخوف الذي يسري في أطرافها.

      صعدت درجات البرج كما يصعد بخفةٍ مفعمة بالدهشة.. كانت كل درجةٍ تهمس لها بحكاية: هنا مرّ شاعرٌ أندلسي هاربٌ من الحرب، وهنا استراح تاجرُ توابلٍ ترك عطرا لا يزال يتردّد على الحجارة، وهنا بكت امرأةٌ فقدت أبناءها ولكنها آثرت أن تضيء شمعةً بدل أن تلعن الظلام.. كانت بسمة تصعد كأنها ترقّى إلى روح حلب نفسها.

       وحين بلغت أعلى البرج، فاجأها المشهد.. المدينة تحتها تُشبه بساطا من الندى المختلط بالرماد، تمتزج فيه الندوب بالعطر، والألم بالأغنية.. شعرت بسمة أنّها تواجه وجهين لحلب؛ الأول مثقل بالعواصف، والآخرَ يبتسم رغم الخراب.. تمدّدت في قلبها رغبةٌ في أن تمنح المدينة ما تستطيع: كلمة، ضحكة، أو حتى مجرد أمل صغير يشبه اسمها.

       وفجأةً، هبّت ريحٌ خفيفة حملت إليها صوتا أشبه بترنيمةٍ بعيدة:

يا ابنتي حلبُ لا تنهض إلا بأبنائها..

لم تعرف مصدر الصوت، لكنّها أحسّت أنّ المدينة تحدّثها، تختبر نقاءها، وتستنهض ما بقي من شجاعتها. وقد شعرت بذراعيها ترتعشان، ولكن قَلْبها كان ثابتا كقلب شجرةٍ تشبّثت بجذورها منذ ألف عام.

      عادت بسمة إلى الحيّ بخطواتٍ مطمئنّة وكأنّها تحمل رسالةً غير مكتوبة، بدأت تزيّن جدران الأزقة برسومٍ صغيرة تمزج بين الأزرق والذهب، وتنظّم للأطفال حكاياتٍ كل مساء، تروي فيها عن سيف الدولة والشعراء، وعن التجار والقوافل، وعن حلب التي وإن سقطت مرة فإنها تنهض سبع مرات.

       وبينما كانت ترسم على الجدار الأخير وجهَ حمامةٍ تحلّق فوق القلعة، توقّف شيخٌ من أبناء الحي وقال لها:    - يا بسمة ما الذي تفعلينه؟

-ابتسمت وقد لمع الضوء القديم في عينيها:                                            - أعلّم المدينة أن تبتسم كما علّمتني،

وفي تلك اللحظة شعر الشيخ، وشعر كل من مرّ قربها، أنّ حلب بدأت تتنفّس من جديد؛ فالصوت الذي سمعته بسمة في البرج كان صدى من أعماق مدينةٍ تُنبت الأمل حتى فوق حجارةٍ اختبرتها النار.

        وهكذا أصبحت بسمة رمزا صغيرا في مدينةٍ كبيرة؛ فتاةً تحمل بين ضلوعها موسيقى حلب، تروي للريح أنّ المدن لا تموت ما دام فيها قلبٌ واحد يصرّ على الحب، وعلى الضوء، وعلى الاحتفاظ بابتسامةٍ رغم كل شيء.

وبقيت حلب-كما عرفها التاريخ- مدينةً تقف على حافة الغروب، لكنها كلما همّ الظلام أن يبتلعها.. قامت بسمة في أحد أزقّتها، وأشعلت قنديلاً من شعاع قلبها.

 

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology