سُنَّةُ الأُفُق

 


 الكاتب بلعربي خالد

تَسَرْبَلَ الفجرُ بوشيِ الضياء، واستفاقتِ المشارفُ من سُباتِها، فحسبتُ أنَّ الأفقَ قد استعارَ محيّاها، وأنَّ الشمسَ ما أشرقتْ إلا لتقتبسَ قبسًا من بَهاءِ مُحيّاها.


أُناجي المشارقَ، فتردُّ عليَّ بألسنةِ النور، وأُصغي إلى خَفْقِ النسيم، فأخالُهُ يُرتِّلُ اسمَها على مسامعِ الغُصون. وما بين الرُّبى والوهاد، أرى الوجودَ كلَّهُ ساجدًا لطلعةٍ لم تُخلقْ إلا لتُوقظَ في القلوبِ مَخامرَ الشوق.


فيا شمسُ، إن كنتِ سِراجَ السماءِ، فهي سِراجُ الروح، وإن كنتِ تُحيينَ الأرضَ بعد خمودِها، فإنها تُحيي الفؤادَ بعد مواته. وما ضياؤكِ إلا فيضٌ من سرٍّ أودعهُ اللهُ في محيّاها، ثم نثرَهُ على الآفاقِ رحمةً للعاشقين.


غير أنِّي رأيتُ الظلَّ ينسابُ رويدًا، كأنَّهُ ناسكٌ يجرُّ مسبحتَهُ في صمتِ الأزمنة، ورأيتُ الضياءَ يُؤثرُ الانكسارَ على التمادي، فعلمتُ أنَّ للكونِ ناموسًا لا يُغالَب، وأنَّ لكلِّ إشراقٍ أَفولًا يُكْمِلُ معناه.


هنالكَ هبطَ على قلبي يقينٌ لا تزعزعهُ الأماني: أنَّ الجمالَ لا يُقاسُ بطولِ مُقامِه، بل بما يتركهُ من رجعِ النورِ في الأرواح؛ وأنَّ الشروقَ، مهما استعلى براياتِ الذهب، إنما يسيرُ منذ ولادتِه خُطًى خفيَّةً نحو مَغيبِه.


فسبحانَ من جعلَ اكتمالَ الضياءِ أوَّلَ عهودِ النقصان، وجعلَ في الغروبِ تتمَّةَ حكايةِ الشروق؛ إذ لا بقاءَ لوجهِ الشمسِ على عرشِ السماء، كما لا خلودَ لشيءٍ تحتَ أديمِها.


وهكذا أيقنتُ أنَّ الحبيبَ، والشمسَ، والعمرَ... جميعُها تمضي في قافلةِ الأيَّام، وأنَّ سُنَّةَ الشروقِ أن يُفضي، آخرَ الأمر، إلى الغروب.



إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology