غليون الذكريات



بقلم رشا محمد العجرمي


في زاويةٍ منسيةٍ من الحي القديم، كان يعيشُ رجلٌ عجوز اسمه جوني لم يكن بيته أكثر من غرفةٍ ضيقةٍ تتسلل إليها الشمس بخجلٍ كل صباح، كأنها تخشى أن توقظه من صمته الطويل.

كان جوني يقضي معظم يومه جالسًا قرب النافذة، يحدّق في الشارع الذي لم يعد يعرفه. تغيّر كل شيء: الوجوه، الأصوات، وحتى رائحة الخبز. وحده غليونه بقي كما هو، يمسكه بين أصابعه المرتجفة، يرفعه إلى فمه، وينفخ هواءً لا دخان فيه.

منذ سنواتٍ طويلة، فرغ الغليون من التبغ، لكنه لم يفرغ من الذكريات.

كان جوني يتخيل الدخان وهو يتصاعد، يرسم أشكالًا في الهواء: وجه زوجته التي رحلت، ضحكة ابنه الذي سافر ولم يعد، وأيامًا كانت أكثر دفئًا من هذا الصمت البارد. كان الغليون بالنسبة له نافذةً أخرى، لا تطل على الشارع، بل على الماضي.

في بعض الليالي، كان يتحدث إليه بصوتٍ خافت: “أتعلم؟ لم أعد أحتاج التبغ... الذكريات تكفيني.”

ثم يبتسم، وكأنه أقنع نفسه.

وفي يومٍ رمادي، جلس جوني في مكانه المعتاد، أمسك غليونه، ورفعه إلى فمه… لكن هذه المرة لم ينفخ شيئًا. بقي ساكنًا، وعيناه معلقتان في الفراغ، كأنه رأى آخر شكلٍ للدخان الذي لم يكن موجودًا.

عندما دخل الجيران بعد أن طال غيابه، وجدوه جالسًا بهدوء، والغليون بين يديه، كأنه لم يتركه حتى في النهاية.

لكنهم أقسموا لاحقًا… أن الغرفة كانت لا تزال تحمل رائحة تبغٍ خفيف، كأن شيئًا ما لم يرد أن يرحل.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology