في مَهَبِّ الرُّوح

 


الكاتبة نور المنصوري / فلسطين 

ما أضيقَ هذا العالمَ حينَ يُقاسُ بالعيون، وما أوسعَه حينَ تُبصرُه الأرواح. فإنَّ العينَ لا ترى إلا هيئةَ الأشياء، أمَّا القلبُ فيرى معانيها، وبينَ الهيئةِ والمعنى مسافةٌ لا يقطعُها إلا الذينَ أرهقهم التفكيرُ حتى صاروا يُصغون إلى صمتِ الأشياءِ كما يُصغِي غيرُهم إلى ضجيجِ البشر.

ولقد عشتُ زمنًا أظنُّ أنَّ الإنسانَ يكبرُ بما يجمع، حتى رأيتُ الذينَ جمعوا كلَّ شيءٍ، ثم وقفوا على أبوابِ أنفسهم غرباء. وعرفتُ بعد ذلك أنَّ الغنى ليس كثرةَ ما في اليد، بل قلَّةَ ما يحتاجُ إليه القلبُ ليطمئنَّ. فما أكثرَ الأغنياءَ الذينَ ينامون على وسائدَ من حريرٍ، وتؤرقهم فكرةٌ صغيرة، وما أكثرَ الفقراءَ الذينَ يفترشون الأرضَ، ولكنَّ أرواحَهم تعلو فوقَ قصورِ المترفين.

إنَّنا نُرهقُ أعمارَنا في مطاردةِ ما يلمع، ثم نكتشفُ – بعد أن تبهتَ الألوانُ – أنَّ اللمعانَ لم يكن ضياءً، بل خدعةً أتقنتها الرغبات. فكلُّ شيءٍ يَعِدُنا بالسعادةِ من خارجِنا، إنَّما يؤجلُ لقاءَنا بأنفسِنا، حتى إذا خمدَ بريقُه، وجدنا أرواحَنا كما تركناها أوَّلَ الطريق: متعبةً، ظمأى، تنتظرُ كلمةً صادقةً تُعيدُ إليها يقينَها.

وليس أقسى على الإنسانِ من أن يعيشَ عمرَه وهو يهربُ من نفسِه. يفرُّ إلى الضجيجِ خوفًا من الصمت، وإلى الناسِ خوفًا من الوحدة، وإلى الانشغالِ خوفًا من الأسئلة. غيرَ أنَّ الأسئلةَ لا تموت؛ إنَّها تجلسُ في أعماقِ الروح، تنتظرُ لحظةَ السكون، ثم تنهضُ دفعةً واحدةً، كأنَّها لم تكن غائبةً قط.

ولعلَّ الحكمةَ كلَّها كامنةٌ في أن نتصالحَ مع تلك الأسئلة، لا أن نهزمَها. فليس مطلوبًا من الإنسانِ أن يعرفَ كلَّ شيء، وإنما أن يكونَ صادقًا في بحثِه. إنَّ اليقينَ الذي يُولدُ من التفكيرِ أشرفُ من يقينٍ وُرثَ دونَ عناء؛ لأنَّ الحقيقةَ لا تُهدَى، بل تُكتشف، وكلُّ اكتشافٍ يبدأُ بحيرة.

وما أكثرَ الذينَ يرفعون أصواتَهم؛ لأنَّهم يخشونَ أن يُسمَعَ صمتُهم. أمَّا النفوسُ الكبيرة، فإنَّها تُشبهُ البحرَ؛ لا يحتاجُ إلى أن يعلو هديرُه ليُثبتَ عُمقَه. يكفي أن تقفَ على شاطئِه حتى تُدركَ أنَّ ما خفيَ منه أعظمُ ممَّا ظهر.

ولقد تأملتُ الوجوهَ طويلًا، فما وجدتُ وجهًا يخلو من حكاية، ولا عينًا إلا وتحملُ أثرَ دمعةٍ لم يرَها أحد. فالناسُ يتشابهون في الابتسام، لكنَّهم يختلفون في أسبابِ الحزن. ولكلِّت إنسانٍ معركةٌ لا يراها سواه، يخوضُها كلَّ يومٍ، ثم يخرجُ إلى العالمِ بوجهٍ هادئ، كأنَّ شيئًا لم يكن. لذلك كان الرِّفقُ أجملَ الأخلاق؛ لأنَّنا لا نعرفُ مقدارَ ما يحملُه الآخرون في صدورِهم.

إنَّ الزمنَ لا يسرقُ منَّا الشبابَ كما نظن، بل يسرقُ أوهامَنا. يُسقطُ عن الأشياءِ أسماءَها البرَّاقة، ويُبقي جوهرَها عاريًا أمام أعينِنا. فنكتشفُ أنَّ القلوبَ كانت أثمنَ من البيوت، وأنَّ الوقتَ كان أغلى من المال، وأنَّ كلمةً واحدةً قيلتْ في لحظةِ صدقٍ، كانت أبقى من سنواتٍ كاملةٍ عشناها في المجاملة.

وهل خُلق الإنسانُ ليبلغَ نهايةَ الطريق؟ كلا، بل خُلقَ ليكونَ الطريقُ نفسُه. فالقيمةُ ليست في الوصول، وإنما في الكيفيةِ التي نسيرُ بها، وفي الأثرِ الذي تتركُه أقدامُنا في ترابِ الأيام. إنَّ بعضَ العابرين يمرُّون كما يمرُّ الظلُّ؛ لا يُغيِّرون شيئًا، وبعضُهم يغادرون الدنيا، وتبقى أرواحُهم تُزهرُ في ذاكرةِ من عرفوهم، كأنَّ الرحيلَ لم يكن إلا انتقالًا من حضورِ الجسدِ إلى حضورِ المعنى.

فلا تُرهقْ روحَك في أن تكونَ أكبرَ من أحد، واجتهدْ أن تكونَ أصدقَ من نفسِك التي كنتَها بالأمس. ولا تجعلْ غايتَك أن يُصفِّقَ لك الناس؛ فإنَّ التصفيقَ ينتهي بانتهاءِ المشهد، أمَّا الصدقُ فيبقى، ولو لم يشهدْه أحد. واعلمْ أنَّ كلَّ ما يُبنى على الرياءِ تُسقطُه أوَّلُ ريح، وكلَّ ما يُشيَّدُ بالإخلاصِ يبقى، وإن بدا صغيرًا في أعينِ الخلق.

وحينَ يأتي المساءُ الأخير، لن يحملَ الإنسانُ معه بيتًا بناه، ولا مالًا ادَّخره، ولا اسمًا لمع في المجالس، بل سيحملُ قلبًا إمَّا أن يكونَ قد أثقلته القسوة، وإمَّا أن يكونَ قد خفَّفه العطاء. وهناك، حيثُ لا تنفعُ الأقنعةُ، ولا تُجدي المظاهرُ، لن يبقى من العمرِ إلا ما كانَ فيه الإنسانُ إنسانًا.

فاحرصْ أن يكونَ لك في هذه الأرضِ أثرٌ لا يُرى بالعين، ولكنَّه يُحسُّ بالقلب؛ فإنَّ الأشياءَ العظيمةَ لا تحتاجُ إلى ضجيجٍ كي تُثبتَ وجودَها، بل يكفيها أن تُلامسَ روحًا واحدةً بصدق، لتبدأَ رحلتَها في الخلود.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology