الفنانة التشكيلية عبير سعدالدين
قد تبدو التفاصيل الصغيرة في حياتنا اليومية عابرة، إلا أنها كثيرًا ما تحمل معاني تتجاوز حجمها المادي. فليس كل ما يشعر به الإنسان يستطيع أن يترجمه إلى كلمات، كما أن اللغة اللفظية ليست دائمًا الوسيلة الأكثر قدرة على احتواء الخبرات الإنسانية المعقدة.
كم من مرة شعرنا بالحزن أو الغضب أو القلق دون أن نستطيع تحديد مصدر هذه المشاعر أو التعبير عنها؟ وكم من مرة أخفينا انفعالاتنا خلف عبارات مقتضبة أو ابتسامات مجاملة؟ إن الإنسان لا يعيش الوقائع في ذاتها، بقدر ما يعيش أثرها النفسي وما تتركه داخله من خبرات وانفعالات.
وقد أكدت اتجاهات علم النفس الإنساني، وفي مقدمتها أفكار كارل روجرز، أهمية الوعي بالمشاعر وتقبّلها باعتبارهما أساسًا للنمو النفسي. كما أشار دانيال جولمان، في إطار نظرية الذكاء العاطفي، إلى أن إدراك الفرد لمشاعره والقدرة على التعبير عنها يمثلان إحدى الركائز الأساسية للتوافق النفسي والاجتماعي.
لكن ماذا يحدث عندما تعجز الكلمات عن أداء هذا الدور؟
هنا يبرز الفن باعتباره وسيطًا للتعبير، يسمح بتحويل الخبرة الداخلية إلى صورة أو رمز أو شكل ملموس. وقد أوضحت دراسات العلاج بالفن أن الممارسة الفنية تتيح مساحة آمنة للتعبير عن الانفعالات، وتدعم تنمية الوعي بالذات، لأنها تمنح الفرد فرصة لرؤية ما يشعر به خارج حدود اللغة.
ومن خلال سنوات من العمل في مجال فن المصغرات، ومشاركة آلاف الأطفال والشباب والبالغين في الورش الفنية، لفت انتباهي أن كثيرًا من المشاركين يصبحون أكثر قدرة على التعبير عن ذواتهم عندما ينصرف اهتمامهم عن الإجابة المباشرة إلى بناء عالم مصغر بأيديهم.
ومن هذه الملاحظة تبلورت فكرة منهج التعبير الذاتي بالمصغرات، الذي يقوم على توظيف النموذج المصغر بوصفه وسيلة للتعبير، لا بوصفه عملًا فنيًا فحسب. فالاختيارات التي يقوم بها الفرد، من ألوان وأشكال ورموز وترتيب للعناصر، قد تعكس خبراته الشخصية ورؤيته لذاته وللعالم المحيط به.
فقد يختار أحدهم أن يصنع بابًا مفتوحًا تعبيرًا عن أمل في بداية جديدة، بينما يجسد آخر منزلًا صغيرًا بحثًا عن الأمان، أو يرسم طريقًا طويلًا يعكس إدراكه لمسيرة حياته. ولا تحمل هذه الرموز معاني ثابتة أو تفسيرات جاهزة، وإنما تستمد دلالتها من صاحبها نفسه ومن السياق الذي نشأت فيه.
ولهذا لا يقوم المنهج على تفسير أعمال المشاركين أو إصدار أحكام بشأنها، بل يعتمد على الحوار والتأمل والأسئلة المفتوحة التي تساعد كل فرد على اكتشاف المعنى الكامن في تجربته بنفسه. فالمقصود ليس الوصول إلى إجابة واحدة صحيحة، وإنما توسيع مساحة الوعي بالذات وتعميق فهم الإنسان لتجاربه ومشاعره.
وكثيرًا ما عبّر المشاركون بعد انتهاء التجربة عن شعورهم بأنهم تمكنوا للمرة الأولى من رؤية ما كان يدور داخلهم في صورة ملموسة. وربما تكمن قيمة المصغرات في قدرتها على تحويل الأفكار والانفعالات المجردة إلى أشكال يمكن التأمل فيها ومناقشتها، فتغدو وسيطًا للحوار مع الذات.
ومن المهم التأكيد على أن هذا المنهج لا يندرج تحت العلاج النفسي ولا يمثل بديلًا عن التشخيص أو التدخل الإكلينيكي، وإنما هو أداة للتعبير عن الذات، يمكن الإفادة منها في السياقات الثقافية والتعليمية والفنية، وفي البرامج الهادفة إلى تنمية الوعي بالذات والمهارات التعبيرية.
إن التفاصيل الصغيرة ليست دائمًا مجرد تفاصيل؛ فقد تتحول، في لحظة صدق، إلى لغة تكشف ما تعجز الكلمات عن الإفصاح عنه، وتفتح نافذة يطل منها الإنسان على عالمه الداخلي، فيرى ذاته بوضوح أكبر.
