جيجل – 28 أوت 2026
لم تكن جيجل هذا الصباح تشبه جيجل التي اعتاد أهلها أن يستيقظوا على زرقة البحر ورائحة الغابات المبللة بالندى. كان الدخان هو المشهد الأبرز، يتسلل بين الجبال ويعلو فوق القرى، فيما كانت ألسنة اللهب تلتهم مساحات من الغطاء الغابي، وتحوّل الأخضر الذي يميز عروس الساحل الشرقي إلى مساحات رمادية يعلوها الرماد.
منذ اندلاع الحرائق، تحولت أجزاء من ولاية جيجل إلى ساحة مفتوحة لمواجهة النار. فرق الحماية المدنية وأعوان الغابات ومختلف المصالح والمتطوعون وجدوا أنفسهم في سباق مع الزمن، بينما ساهمت درجات الحرارة المرتفعة والرياح في تسريع انتشار النيران وصعوبة السيطرة عليها.
في القرى والمناطق القريبة من بؤر الحريق، لم يعد السؤال عن اتجاه الريح ترفًا، بل أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. عائلات تراقب السماء، وأخرى تغلق نوافذها أمام الدخان، فيما يغادر بعض السكان منازلهم احتياطًا كلما اقتربت النيران.
نار تتقدم.. وقلوب تترقب
المشهد في جيجل يحمل أكثر من صورة في آن واحد. هناك النار التي تتقدم بين الأشجار، وهناك الإنسان الذي يحاول حماية بيته وأرضه ومصدر رزقه. وبين الاثنين، يقف رجال الإطفاء في الخط الأمامي، يواجهون الحرارة والدخان والتضاريس الوعرة، في محاولة لمنع ألسنة اللهب من الوصول إلى مزيد من المناطق السكنية.
وتزداد صعوبة المهمة في المناطق الجبلية والغابية، حيث يمكن لشرارة صغيرة أن تتحول، في ظرف وجيز، إلى جبهة واسعة يصعب تطويقها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه وسط هذا المشهد يبقى: كيف اندلعت هذه الحرائق؟
حتى الآن، لم تعلن السلطات أن حرائق جيجل مفتعلة ، غير أن فتح تحقيقات معمقة في أسباب الحرائق، خصوصًا مع تسجيل اندلاع بؤر متعددة ومتزامنة في عدد من المناطق، جعل فرضية التدخل البشري محل بحث وتحقيق. وفي المقابل، فإن الظروف المناخية القاسية، من حرارة وجفاف ورياح، توفر بيئة شديدة القابلية لاشتعال الغطاء النباتي وانتشار النيران.
لذلك، تبقى الإجابة النهائية رهينة بما ستكشف عنه التحقيقات، بعيدًا عن الشائعات والاستنتاجات المتسرعة.
مدينة تختنق بالدخان
في جيجل، لا يختصر الحريق في الأشجار وحدها. فالغابة ذاكرة المكان، والجبال جزء من هوية الولاية، والبحر الذي كان يمنح المدينة لونها الأزرق بدا في بعض اللحظات محاصرًا بسحابة رمادية ثقيلة.
ومع امتداد ألسنة النار، ظهرت تداعيات أخرى طالت بعض المنشآت وشبكات المياه في المناطق المتضررة، لتصبح مواجهة الحريق معركة متعددة الجبهات: حماية الأرواح، إنقاذ الممتلكات، إخماد النيران، ثم إعادة الحياة إلى المناطق التي مسّها الدمار.
وفي كل مرة تخمد فيها فرقة إطفاء بؤرة، يبقى الخوف من عودة النيران حاضرًا، لأن الغابة المحترقة لا تعني بالضرورة أن الخطر انتهى.
حين يصبح التضامن طوق نجاة
وسط الخوف، برز وجه آخر للكارثة: التضامن.
سكان يفتحون أبوابهم للمتضررين، شباب يساعدون في عمليات الإجلاء، ومتطوعون يسارعون إلى تقديم المياه والمؤن، فيما تواصل فرق الإنقاذ عملها في ظروف شاقة.
إنها اللحظات التي تكشف معدن المدن حين تضيق بها المحن. فحين تعجز الكلمات أمام النار، يصبح مدّ يد العون لغة يفهمها الجميع.
جيجل اليوم ليست مجرد خبر عن حرائق. إنها قصة أرض تحاول النجاة، وسكان يتشبثون ببيوتهم وذاكرتهم، وغابات تدفع ثمن موسم قاسٍ.
ومهما كانت نتيجة التحقيقات في أسباب هذه الحرائق، فإن المشهد الذي ستحتفظ به الولاية طويلًا هو ذلك الذي اجتمعت فيه السماء والجبال والبحر تحت لون واحد: لون الدخان.
ويبقى الأمل أن تنطفئ آخر جمرة، وأن تعود جيجل إلى لونها الذي يعرفه أهلها؛ أخضرَ يلامس أزرق البحر، لا رمادًا تذروه الرياح.
