شِعْر عبدالناصر الجوهري ـ مصر
.....
مُنذُ أنْ هدم البابليُّون
يا أبتِ
هيكلي
وأنا قد تشرَّدتُ
بين البلاد غريبًا
فقدتُ نفائسَ تابوت عهدي ،
تعاليمَ ألواحي
إنهم همجيُّون كالرُّومان
الذين بلا رحمةٍ
خرَّبوا كلَّ شىءٍ
دمويُّون كالألمان
الذين وضعوني بــــ مُعسْكر
تعذيبٍ ؛
كوني أثرتُ
احتجاجات عُمَّاليَّةٍ
وقت معاركهم ضدَّ الحلفاءْ
كدتُ أموتُ غرقًا
حينما هُجِّرتُ
في قاربٍ قد حُشرنا به كاللاجئين
مُلتحفين كوابيس خوفٍ
باردٍ
ورسى قاربي قاصدًا
شاطىء قومٍ جبَّارين
ذلك الذي رفضتَ وُلُوْجه
أيام العهد القديم
يا أبي
وعلى الرَّمل تخذلني قدماى
الغُبارُ الذي حوَّطني
جعلوهُ نبعًا صافيًا لي
لم يكن سواهم
مَنْ أغاثونا
هيَّأوا لنا دارهم
واقتسموا خبزهم معنا
شاركونا دفءَ الحياةِ؛
فلماذا غدرنا بهم
لماذا؟
أجبني يا أبي
أوتسمعُ همهمتي
أوتسمعُ رنَّاتِ صوتي
إنْ تجاهلْتها؛
فسأرحلُ نحو مُرتفعاتِ
بيت "المقدس"
مُعتزلاً
فالذين سلبْنا قُراهم
أناسٌ
يحبُّون بيدرهم
وإذا أزْعَجتْهم مُجنزرةٌ؛
لا يخلعون رداءَ الشَّراسةِ..
حتى ولو رحلت شمسُ
ذاك المغيب
إذا مَنَحْتهمْ وردةً؛
يمنحونني بُسْتانَ وِدٍّ مُسٍتدامٍ
وحُسْنَ جِوار كريم
رُبَّما
شاركوني موائدهم
أريدُ أن أجاورهم
يا أبي
هم أُناسٌ ودودون،
ما استسلموا أبدًا للغُزاة
لطالما أحببتُ لمعةَ أعينهم
وابتسامتهم
إنَّهم ينعتونني
بـــ غاصبِ الأرضِ
لا أريدُ أن أكون غاصبًا
يا أبي
لقد تذوَّقتُ المذلَّةَ
مِنْ قبلُ..
أنسيتَ فجيعةَ أُمِّي
التي هلكتْ
في مُعسْكرات "النازيين"..
بلا شَربةِ ماءْ
وسط بركة من دماءْ
فكفى
دعني أتقاسمَ الطَّريق معهم
يا أبي
بلا جدارِ عُنْصريٍّ
الأرضُ تتَّسع لـــ كلينا
بلا مُعتقلٍ
بلا تحريض مُسْتوطنين
بلا اقتلاعٍ لأشجار زيتونهم
أريد أن أشاركهم
أغنياتهم
لا مُصادرةَ الحواكير
أريد إصطحابهم
كُلَّما هلَّ عيدٌ
نتبادل كعكَ المودَّةِ
لا هدمَ منازلهم
لا اغتيالَ الرَّياحين
في بُرعمها
لا تهجيرَ سربَ حَمَامٍ
اعتاد أن يرعى عشَّهُ
في وئامْ
لم يسكنْ "الكليم"
أرض "الميعاد"
يا أبي
ابن "مريم" لم ينزلْ بعْدُ
اللَّعنةُ ستصيبُ رحْلنا
مرَّةً تلو مرَّةْ
لــــ نفرَّ مِنَ التِّيهِ..
يا أبي
أريد سلامًا
يعمًُ بأفئدة البائسين
لا مجازرَ وأدٍ جديدة
لا أحبُّ المروحيَّات الدَّمويَّة
لا أحبُّ القنابلَ خارقة التَّحصينات ..
يا أبي
إنًَ مُرتكبَ الإبادةِ..
مُجْرمُ حربٍ ؛
تلْعنهُ السَّماءْ
ستُقلقُ الضَّحايا
التي خلَّفها
منامه
لن يرى في الحياة..
سلامةْ
صاحبُ الأرض
يرحلُ للفردوس..
يا أبي
بينما
نحن نذهب للجحيمْ
صاحبُ الأرض
ليس من "عماليق"
بدو الصحاري
الذين عشنا نقاتلهم
يا أبي
إنَّما من بني "كنعان"
كيف قرصانُ البحرِ
صيَّرنا
نسخةً منهُ
نبتلع البحَّارةَ،
والطَّيرَ
والشُّطوطَ
لا أحبُّ ابتلاعَ الخرائط،
والجُزر،
والمُحيطات..
يا أبي
البحرُ ليس أعمى
كان شاهدًا
ليس ينسى لنا
ما اقترفناهُ
لا سياجَ سيمنع أفئدة
الباسطين أكفَّ الضًِياءْ
كم يسيلُ دمُ الأبرياءْ
ابن "مريم" الذي نترقبهُ ؛
لا يُسفك الدِّماءْ
لا يحبُّ بناءَ المُسْتوطناتِ
على أرضٍ مُغْتصَبةٍ
غير توارتيَّةٍ
يا أبي
نحنُ يجمعنا وطنٌ واحدٌ
نحن فيه شُركاءْ
نفس رائحة المطر المُتساقطِ
في "رام الله"
لا تُميِّز بيننا
نفس قوس قزح
لا يُفرقُ بين كلينا
دع الحُبَّ ينمو
بيننا يا أبي
لن أعيش بمُسْتوطناتٍ
بيادرها سُلبت
رغم أنف سكانها الأصليين
كيف أشرب ماءً يُصادر
من غوره
أنتَ صادرتَ طفلاً
تعوًَد حِضْنَ أمّه
لا أريدُ تذوّق أى ثمارٍ
يُحاصر بيدره بالرَّصاص
إنني قد ولدتُ بضاحيةٍ
قرب "كييف" يا أبي
ليس لي أى مُشتركاتٍ
تربطني
بوطن احتلْتهُ المُهاجرون
الذين وفدوا إليه
من بقاع شتى
لا هيكلَ يبنيه
مَنْ يسفك الدِّماءَ يا أبي
دَعِ العصافيرَ تُغرِّد
بلا خوفٍ
مِنْ قنَّاصٍ مُتربِّصٍ
دَعِ البئرَ يمضي
إلى حقلينْ
حيثُ أقيم طقوسي
في هيكلي
ويقميون صلواتهم
في أقصاهم
لتقتسم البراءةُ أطفالنا
ذات حلم.
