الكاتبة كوثر جعفر
صوت المروحة يسرق صمت الغرفة، ويسرق نومه.
فتح عينيه. بقي لحظة يحدّق في السقف، ثم حاول تحريك ساقيه. لم تتحركا. دفع بكفيه على السرير، رفع نصف جسده، استند إلى ظهره.
ظلت المروحة تدور ببطء، تصدر صوتًا أكثر مما تحرّك الهواء.
رفع عينيه إليها. راحت عيناه تتبعان دورانها، دورة بعد أخرى. ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة، طفولية، وبقي يراقبها كأنها شيء يراه للمرة الأولى.
مد يده إلى الزر المثبّت في الحائط، ضغطه.
انتظر.
لا شيء.
ظل صامتًا، ثم، وهو ينزل يده عن الزر، أوقع علبة الدواء إلى الأرض.
نظر إلى العلبة.
مد يده. لم تبلغها.
حرّك كتفه، انحنى بجسده حتى كاد يسقط من السرير. امتدت أصابعه نحو الأرض، لامستها، لمست طرف العلبة.
لم يصل إليها.
لمح مضرب الذباب. أمسكه، مدّ طرفه نحو العلبة. دفعها.
تدحرجت تحت الطاولة حتى توقفت قرب النافذة.
ظل يتابعها بعينيه.
مد يده إلى مسند الكرسي المتحرك القريب منه، سحبه نحوه.
اقترب الكرسي.
أمسك به بكلتا يديه، دفع جسده نحوه.
انزلقت إحدى عجلاته فجأة، ابتعد الكرسي عنه.
حاول أن يمسك به، فلم تلحق يده بمسنده.
ارتطم جسده بالأرض.
سكتت العلبة، سكتت عجلات الكرسي، توقف كل شيء.
ظل الرجل ممددًا على الأرض، مغمض العينين، لا يتحرك.
وحدها المروحة ظلت تدور في السقف، تطن ببطء.
تسلّل أذان الظهر من النافذة.
فتح عينيه.
نظر إلى نفسه ملقى على الأرض. لم يعرف لماذا، ولا إلى أين كان يتجه.
رفع رأسه. رأى الكرسي قرب الطاولة، رأى العلبة تحتها.
لم يتذكر ما كان يريد، لكنه واصل الزحف نحوها.
جاء صوت من الشرفة:
«أحمر يا تفاح.»
شرد مع نداء البائع. ابتعدت الغرفة، وبدا له حقل بعيد، يتدلى التفاح من أشجاره، ويده الصغيرة لا تطاله.
ظل يمد يده.
اقتربت تفاحة، ثم ابتعدت مع حركة الغصن.
ارتسمت ابتسامته الصغيرة.
طنين قرب أذنه أعاده إلى الغرفة.
ذبابة تحوم فوق وجهه.
رفع يده إليها. ابتعدت.
تبعها بعينيه.
طارت نحو النافذة، عادت وحامت حول المروحة. هبطت على إحدى ريشاتها، دارت معها دورة كاملة، ثم أفلتت منها، اتجهت نحو الشرفة.
رفرفت، حطّت تحت الطاولة، قرب علبة الدواء.
تابعها بعينيه، وعلى وجهه ابتسامته الصغيرة.
قال لها:
«وصلتي؟ أحسنتِ، صغيرتي. أجلبيها لي.»
طارت الذبابة.
حاول أن يرفع جسده.
تأوه.
وضع يده على ساقه، ثم على خاصرته. كان الألم أشد مما كان قبل السقوط. حاول أن يغيّر وضعه، فتوقف.
رفع رأسه نحو النافذة.
جاءت أغنية من بناء مجاور. حرّك رأسه مع لحنها، وحرّك أصابعه قليلًا كأنه يرافق الإيقاع.
بقي يصغي.
فجأة ارتفع طرق متتابع على جرّات الغاز.
قطّب وجهه.
وضع كفيه على الأرض، وواصل الزحف نحو الطاولة.
جاء صوت من مكبر الجامع:
«طفل ضائع...»
توقف.
رفع رأسه نحو النافذة.
لاحت له وجوه صغيرة، تضحك، وأقدام تركض حوله.
مد يده كأنه يريد أن يمسك بأحدها.
اختفت الوجوه.
بقيت يده معلقة في الهواء.
أنزلها ببطء، ثم عاد إلى الزحف.
اقترب من الطاولة.
وضع يده على ساقها، وحاول أن يرفع جسده.
تأوه.
لم يستطع.
أسند رأسه إلى الأرض.
أغمض عينيه.
غفا.
أيقظه أذان العصر.
فتح عينيه ببطء.
بقي لحظة ساكنًا، ثم نظر إلى العلبة تحت الطاولة.
مد يده.
دفع جسده قليلًا قليلًا.
تأوه مرة أخرى، وتابع.
كانت العلبة أمام أصابعه.
مد يده أكثر.
أمسك بها.
أشرقت على وجهه فرحة صغيرة.
قلبها بين يديه.
نظر إليها طويلًا.
خفتت ابتسامته.
بقي يقلبها، ووجهه مستفسر.
نسي لماذا كان يسعى إليها.
شد قبضته عليها.
حاول أن يستدير على ظهره.
تأوه، ودفع كتفه بالأرض حتى استلقى على ظهره.
رفع عينيه إلى المروحة.
رفرفت فراشة بيضاء، جابت أرجاء الغرفة، حطّت فوق صدره.
ظل يتابعها بعينيه وابتسامته الطفولية.
راقبها حتى طارت نحو الضوء.
بسط ذراعيه، شد قبضته على العلبة، أغمض عينيه.
