الجلسة الأخيرة



 الكاتب: بلعربي خالد


                                 Psychiatric therapy sessions


"أنا بخير... أليس كذلك؟"


سأل نفسه للحظة، ثم جاءت الإجابة من داخله:

"لا... لست بخير."

كان هناك صوتٌ في رأسه يقول: "اتركها، ابتعد عنها، أنت تعرف أن هذا الطريق يؤلمك."

وصوت آخر كان يضحك بسخرية ويقول: "لا تهرب... أنت ضعيف إن تركتها. جرّب ما تخاف منه، اغرق أكثر."

كان يسمع أحيانًا صوت الطبيب... أو ربما كان مجرد صدى في عقله، يقول له:

"تنفّس... لا تدع الأصوات داخلك تسيطر عليك."

لكنه كان يضحك، ليس لأنه سعيد، بل لأنه كان يعرف أنه سيعود في الليل ليقف أمام محكمته الخاصة، يحاكم نفسه، يصدر الحكم، ثم ينفّذ العقوبة.

قال الطبيب:

"أعتقد أننا أنجزنا الكثير من العمل الجيد اليوم، وأنا سعيد جدًا لأنك لم تُصب بنوبة هلع الأسبوع الماضي. لقد استعرضنا اليوم بعض التقنيات الإضافية التي يمكنك استخدامها للسيطرة على القلق، ويبدو أنك بدأت تتقنها بشكل جيد. أعتقد أن جلسة اليوم كانت مفيدة جدًا."

هزّ المريض رأسه وقال:

"نعم، أعتقد ذلك."

ابتسم الطبيب وقال:

"رائع. إذن إذا أنهينا الجلسة الآن، سنلتقي مجددًا الأسبوع المقبل."

الجلسة رقم ستون

قال المريض:

"لكن هل أخبرتك أنني تشاجرت مع أمي يوم الخميس؟"

نظر إليه الطبيب باستغراب:

"حقًا؟"

أجاب:

"نعم، كان شجارًا كبيرًا جدًا. كانت أمي غاضبة مني بسبب ناهد مرة أخرى. لقد أخبرتك عنها من قبل... كنا على علاقة منذ ثلاثة أشهر."

قال الطبيب:

"أشعر أن هناك شيئًا غير واضح قليلًا بين وجهة نظرك ووجهة نظر والدتك."

قال المريض:

"أمي كانت تريدني أن أترك ناهد. كانت تقول لي إنني أستحق شخصًا أفضل. لكنها في الوقت نفسه لم تكن تسمح لي حتى أن أتحدث معها أو أشرح لها الأمر. كنت عالقًا بين الاثنين."

صمت قليلًا ثم تابع:

"كنت أشعر أنني يجب أن أرحل، وأن هذه العلاقة ليست جيدة لي، لكنني لم أستطع. كان هناك شيء يمنعني."

قال الطبيب:

"إذن أنت تشعر أنك في المنتصف."

أجاب:

"نعم... وهذا الأمر يرهقني كثيرًا."

قال الطبيب:

"المهم أنك لم تُصب بنوبة هلع رغم هذا الضغط. أعتقد أن التقنيات التي عملنا عليها بدأت تساعدك."

ابتسم المريض قليلًا:

"أعتقد أنني سأكون قادرًا على تجاوز ذلك."

الجلسة رقم واحد وستون

قال الطبيب:

"ماذا حدث منذ جلستنا الماضية؟"

أجاب المريض:

"تشاجرت مع أمي يوم الخميس."

"كيف كان الأمر؟"

"كان سيئًا جدًا. كانت تصرخ عليّ باستمرار. كانت غاضبة بسبب ناهد، وبسبب المخدرات التي كنت أتعاطاها سابقًا. كانت تقول إنها تخاف عليّ، لكنها في الوقت نفسه كانت ترفض ناهد تمامًا."

قال الطبيب:

"أرى أن هذا الأمر يزعجك كثيرًا."

قال المريض:

"نعم... أشعر أنني أحمل كل شيء وحدي. أريد أن أصلح الأمور، لكنني لا أعرف كيف."

قال الطبيب:

"أعتقد أننا سنضع هذه المشكلة في مقدمة أولوياتنا في الجلسة القادمة. من الواضح أنها مهمة جدًا بالنسبة لك، وسنحتاج إلى وقت لمساعدتك على التعامل مع هذه المشاعر."

الجلسة الأخيرة

قال الطبيب:

"أعتقد أننا أنجزنا الكثير من العمل الجيد اليوم، وأنا سعيد جدًا لأنك لم تُصب بنوبة هلع الأسبوع الماضي. هذا تقدم رائع."

ابتسم المريض:

"أنا سعيد بذلك أيضًا."

قال الطبيب:

"أعتقد أننا اليوم وصلنا إلى مرحلة مهمة. قبل أن ننهي الجلسة... أريد أن أسألك: كيف حال ناهد؟"

ساد الصمت.

نظر المريض إلى الأرض وقال:

"أعتقد أن ناهد لم تكن موجودة أصلًا."

توقف الطبيب للحظة.

"ماذا تقصد؟"

قال المريض بصوت منخفض:

"أعتقد أنها كانت موجودة فقط في رأسي."

ابتسم الطبيب بهدوء:

"هذا تقدم ملحوظ. أنت تقترب من نهاية الطريق."

ثم أضاف:

"لكن ما زال هناك أمر لم أفهمه... أخبرتني عن الشجار مع أمك يوم الخميس."

رفع المريض عينيه ببطء.

"آسف... لم يكن هناك شجار يوم الخميس."

عبس الطبيب:

"لم يكن هناك شجار؟"

قال المريض:

"لا... لأن أمي لم تعد موجودة منذ خمس سنوات."

ساد الصمت داخل الغرفة.

قال الطبيب:

"ماذا؟"

أجاب المريض:

"أمي توفيت قبل خمس سنوات."

تغيرت ملامح الطبيب، وفتح ملف المريض ببطء.

"لكن... طوال هذه الجلسات كنت تتحدث عنها وكأنها كانت تعيش معك."

ابتسم المريض ابتسامة غامضة:

"كنت أعتقد ذلك أيضًا."

نظر الطبيب إلى الملف مرة أخرى، ثم قال:

"هناك شيء آخر يجب أن نتحدث عنه."

رفع المريض رأسه:

"ما هو؟"

قال الطبيب:

"كل التسجيلات الخاصة بجلساتك... لا يوجد فيها أي ذكر لاسم ناهد قبل اليوم. ولا يوجد أي تقرير عن والدتك بعد وفاتها."

سكت قليلًا ثم تابع:

"لكن هناك ملاحظة واحدة في ملفك."

اقترب المريض:

"ما هي؟"

قرأ الطبيب بصوت منخفض:

"المريض يعاني من اضطراب في الذاكرة، ويقوم أحيانًا بخلق شخصيات وحوارات كاملة ليهرب من حقيقة مؤلمة."

ساد الصمت.

ابتسم المريض وقال:

"إذن... من كنت أتحدث معه طوال هذه الأشهر؟"

نظر الطبيب إليه باستغراب.

ثم قال:

"هذا السؤال كنت أريد أن أطرحه عليك."

تجمد المريض في مكانه.

نظر إلى الكرسي المقابل له، حيث كان يجلس الطبيب طوال الجلسة.

كان الكرسي فارغًا.

وفي اللحظة نفسها، سمع صوتًا هادئًا في رأسه يقول:

"أحسنت... لقد اقتربت من الحقيقة."

نظر إلى المرآة الموجودة أمامه، فرأى نفسه جالسًا وحيدًا في الغرفة.

أغلق الملف ببطء، وابتسم.

ثم قال:

"يبدو أنني كنت أبحث عن المريض... بينما كنت أنا الطبيب طوال الوقت."


النهاية



إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology