بقلم محمد فتحي السباعي
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
مِنْ بَعْدِ وَجْهٍ كَانَ لِي وَطَنًا عَلَى
خَوْفِ الطُّرُوقِ، تَيَهَّأَتْ لِيَ الْمَدِينَةْ
مَرَّتْ بِيَ الذِّكْرَى...
وَأَنَا.. أَنَا
أَنَا يَا أَبِي
مَنْ كَانَ يَظُنُّ بِأَنَّ ظِلَّكَ لَنْ يَغِيبْ؟
وَأَنَّ كُرْسِيَّكَ الْقَدِيمَ
سَيَحْفَظُ انْحِنَاءَكَ بَعْدَكَ
وَأَنَّ فِنْجَانَكَ الَّذِي
لَمْ يَجِفَّ بَعْدُ
سَيَشْرَبُ وَحْدَهُ صَمْتَ الْمَغِيبْ؟
قُلْتُ: انْتَظِرْنِي يَا أَبِي...
فَأَنَا لَمْ أَكْمُلِ الْحَدِيثَ الَّذِي
كَانَتْ تُرَتِّبُهُ السِّنُونْ
وَلَمْ أَقُلْ لَكَ:
كَمْ كُنْتُ أُحِبُّكَ...
لَمْ أَقُلْهَا
لِأَنَّنِي كُنْتُ أَظُنُّ
بِأَنَّ الْآبَاءَ لَا يَرْحَلُونْ.
كُنْتَ تَمْشِي...
وَكُنْتُ أَرَاكَ
كَمَا يُرَى الْبَابُ الْقَدِيمُ
فِي بَيْتِنَا:
لَا نَسْأَلُهُ مَتَى يَبْقَى،
وَلَا نَخْشَى عَلَيْهِ مِنَ الرَّحِيلْ.
ثُمَّ انْكَسَرَتْ خُطَاكَ فَجْأَةً...
وَصَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ يَدَيْكَ
مَسَافَةُ قَبْرٍ
وَأَلْفُ سُؤَالْ.
يَا أَبِي...
لَمْ أَفْهَمِ الْمَوْتَ يَوْمَ مِتَّ.
فَهِمْتُهُ بَعْدَكَ،
حِينَ دَخَلْتُ الْبَيْتَ
فَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَكَ.
حِينَ نَادَيْتُكَ فِي سِرِّي
فَلَمْ يَأْتِ ذَلِكَ الصَّدَى
الَّذِي كَانَ يَرُدُّنِي إِلَيَّ.
فَهِمْتُهُ
حِينَ أَرَدْتُ أَنْ أَحْكِي لَكَ
حَدَثًا صَغِيرًا،
فَلَمْ أَجِدْكَ.
وَكَانَتْ تِلْكَ
أَكْبَرَ حَادِثَةٍ فِي حَيَاتِي.
أَبِي...
أَنَا لَا أَرْثِيكَ كَمَا يَرْثِي النَّاسُ مَوْتَاهُمْ.
أَنَا أَرْثِي الْمَكَانَ
الَّذِي كُنْتَ تَمْلَؤُهُ.
أَرْثِيَ الْكُرْسِيَّ،
وَالطَّرِيقَ،
وَالْمَسَاءَ،
وَصَوْتَكَ حِينَ كُنْتَ تَقُولُ:
"يَا ابْنِي..."
فَكَانَتْ كَلِمَةً وَاحِدَةً
تَكْفِي لِإِصْلَاحِ يَوْمٍ كَامِلْ.
لَمْ يَبْقَ مِنْكَ
إِلَّا أَشْيَاءُ لَا تَرَى:
طَرِيقَةُ مَشْيٍ
تَسْكُنُ فِي قَدَمَيَّ،
حَرْفٌ أَشْبَهُ بِصَوْتِكَ
يَخْرُجُ مِنْ فَمِي،
وَحِينُ أَخَافُ...
أَمْسِكُ نَفْسِي
كَمَا كُنْتَ تُمْسِكُنِي
وَأَنَا طِفْلٌ
وَتَقُولُ:
لَا تَخَفْ.
فَكَيْفَ لَا أَخَافُ
وَقَدْ رَحَلَ الَّذِي
كَانَ يَقُولُهَا؟
يَا أَبِي...
مَاتَتْ يَدَاكَ،
وَلَكِنَّ يَدَكَ
مَا زَالَتْ عَلَى كَتِفِي.
غَابَتْ عَيْنَاكَ،
وَلَكِنِّي كُلَّمَا أَضَاءَ اللَّيْلُ
رَأَيْتُ فِيهِمَا
