الجحيم



الكاتب بلعربي خالد


لم يكن ياسر يتخيل أن طريقًا بدأه بابتسامة سينتهي به في ظلام لا نهاية له. كان شابًا هادئًا، يحلم بأن يصبح شخصًا ناجحًا، وكانت عائلته ترى فيه الأمل الذي سيحمل اسمها يومًا. كان والده يفتخر بأخلاقه، وكانت أمه ترى فيه أجمل هدية من الله.

لكن الإنسان لا يسقط دائمًا بسبب عدو واضح، فقد يكون السقوط أحيانًا على يد من يظنهم أصدقاء.

تعرّف ياسر على مجموعة من الشباب الذين كانوا يقضون وقتهم في اللهو والبحث عن المتعة الزائفة. كانوا يضحكون كثيرًا، ويتحدثون عن الحرية، ويخفون خلف كلماتهم طريقًا مليئًا بالخطر. في إحدى الجلسات عرضوا عليه حبوبًا مخدرة وحبوبًا تسبب الهلوسة، وقالوا له: "إنها مجرد تجربة، ولن يحدث شيء."

تردد ياسر في البداية، لكنه استسلم لضغطهم وضعف وعيه. كانت تلك الحبة الأولى هي الباب الذي دخل منه إلى عالم لم يعرف كيف يخرج منه.

في الأيام الأولى شعر بأنه يعيش لحظات مختلفة، لكنه لم يدرك أن السعادة التي تأتي من المخدرات ليست إلا خداعًا مؤقتًا يخفي خلفه ألمًا كبيرًا. شيئًا فشيئًا تغيرت شخصيته؛ أصبح عصبيًا، منعزلًا، يهمل دراسته وعمله، ويبتعد عن أسرته التي كانت تحبه وتخاف عليه.

بدأ يكذب، ويطلب المال بحجج مختلفة، ثم أصبح مستعدًا لفعل أي شيء من أجل الحصول على ما يريد. لم يعد ياسر ذلك الشاب الذي عرفه الجميع، فقد أخذ الإدمان منه صحته وأخلاقه وأحلامه.

كانت أمه تراه يضيع أمام عينيها. حاولت الاقتراب منه، تحدثت معه، وبكت كثيرًا وهي تطلب منه أن يعود إلى الطريق الصحيح. أما والده فشعر بالندم لأنه لم يلاحظ التغيرات في وقت مبكر، وأدرك أن الأبناء يحتاجون إلى المراقبة والاحتواء، لا إلى اللوم فقط.

لكن ياسر كان قد ابتعد كثيرًا. فقد السيطرة على نفسه، وأصبح أسيرًا لعقار دمر حياته. وفي لحظة ضعف، جلس وحيدًا يتذكر ماضيه: وجه أمه وهي تبتسم له، نصائح أبيه، وأحلامه التي ضاعت. شعر بندم عميق، وتمنى لو عاد به الزمن ليغير تلك الخطوة الأولى.

خرج في ليلة باردة إلى الشارع، يبحث عن شيء ينسى به ألمه، لكنه لم يجد إلا النهاية التي لم يكن يتوقعها. في الصباح، وجدوه جثة هامدة في أحد الشوارع، وحيدًا، بعد أن أطفأت المخدرات آخر شمعة في حياته.

انتشر خبر وفاته كالصاعقة، وبكى كل من عرفه. لم يكن ياسر شخصًا سيئًا منذ البداية، لكنه أخطأ في اختيار رفاقه، ولم يمتلك الوعي الكافي ليرفض الطريق الخطير الذي عُرض عليه.

بقيت قصته درسًا لكل شاب: ليست كل ضحكة دليل صداقة، وليس كل طريق يبدأ بسهولة تكون نهايته خيرًا. فرفاق السوء قد يقودون الإنسان إلى الهلاك، والأسرة الواعية قد تكون سبب النجاة إذا اقتربت من أبنائها، استمعت إليهم، وسارعت إلى إنقاذهم قبل أن يصبح الندم بلا فائدة.

فالمخدرات لا تمنح الإنسان حياة جديدة، بل تسرق منه حياته القديمة… حتى لا يبقى منه إلا اسم في ذاكرة من أحبوه.


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology