أي حضارة تبنى على رفات إنسانية شوهاء؟ سيمياء الموت والسلطة في مسردية "مملكة الغراب " عز الدين جلاوجي

   


 الكاتبة    سعاد المرنيصي: تونس

ليس الغلاف ذلك الباب الذي نفتحه لنلج العالم السردي لأي نصّ، ولا هو مجرد قناع يضعه الكاتب لمواجهة منجزه الإبداعي، بل هو اللحظة التي يبدأ فيها النص بالكلام ويبدأ فيها المعنى في التشكل. ففي تلك المسافة القصيرة الفاصلة بين العين وصورة الغلاف تنبثق الأسئلة التي تولد الحكاية لذلك نجد الكاتب يحرص على ألا يكون الغلاف فضاء لاستراحة اللغة لأننا نجد الصورة نفسها تمارس حقها في الكلام وتستمد شرعيتها لاستفزاز القارئ، إذ تفتح له شقوقا عديدة، تمزق شرنقة الغموض دافعة القارئ لبلوغ مراقي تجلي تلك الدلالات التي رام الكاتب التلميح إليها أو التصريح بها، إنها جزء لا يتجزأ من البنية الدلالية للعمل.

وصورة الغلاف في مسردية "مملكة الغراب" أبت أن تكون عنصرا زخرفيا يرافق العنوان لذلك جاءت في شكل ذلك المحمل موازية للنص مضمّخة برموز ودلالات غير منفصلة عن العالم السردي للكاتب، إنها العلامة السيميائية التي تكشف البنية الفكرية والثقافية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية للنص قبل قراءته وتزيح النقاب عما يخفيه ذلك العنوان الذي لا ينهض بوظيفة تسموية فحسب.

والمتأمل في الغلاف يجد أنه يحتلّ مساحة بارزة، كتب باللون الأبيض الناصع وبحجم كبير وبذلك فهو ينافس الصورة في صياغة الدلالة فهذا التجاذب اللفظي   بين العبارتين المكونتين للعنوان، يجعل القارئ في مواجهة عدة أفكار: صناعة القائد، الهوية المفقودة في زمن التشظي الأخلاقي، الاستبداد الخرافي، أوهام السلطة ....

مملكة الغراب، عنوان يتكون من مفردتين تولدان مفارقة دلالية تنبثق   منها اسئلة عدة: كيف يمكن للغراب أن يؤسس مملكة؟ كيف تتحول الخرافة إلى سلطة؟ وكيف يتحول الرمز إلى نظام؟ أيّ غراب هذا الذي يحكم؟ وما مصير من اتخذ الغراب دليلا وهو لا يمر إلا على جيف الكلاب. هكذا يتحول العنوان إلى مساحة أرحب للاشتغال الفكري: مملكة تحيل على السلطة والحكم والمركز والغراب يتحول من حيوان إلى علامة، فهو لم يعد مجرد طائر بل أصبح علامة ثقافية مشحونة، علامة مركبة ليست أحادية الدلالة، إنه يستدعي شبكة من الحكايات الراسخة في المخيال الإنساني الشعبي وفي النصوص الدينية ، يعاد توظيفها في العالم السردي بطريقة مغايرة ليخلخل السائد والمألوف ويظهره في ثوب جديد.

تنقلب وظيفة الغراب في النص فإذا كان في المخيال الشعبي هو نذير شؤم ورمز للموت والخراب وفي النصوص الدينية هو الذي علم الانسان كيف يواري سوأته، فهل سيكون حضوره في النص من أجل تعليم الانسان كيف يسوس اخاه الانسان ؟

التعليم هنا ليس متعلقا بالموت بل بالسلطة وإدارة الجماعة وتدبير الخضوع وتحقيق السيادة وفرض القانون.، والمشكلة ليست في الغراب الذي امتلك السلطة وإنما في الإنسان الذي يمد له يده ليمنحه هذه السلطة، وهنا تتجاوز الحكاية حدودها العجائبية لتصبح استعارة سياسية بامتياز، السلطة لا تقوم دائما بقوة الحاكم وحده وإنما تحتاج إلى جماعة تصنع له هذه الشرعية وتصدق أسطورته وتعيد إنتاج هذه الصورة ثم ترسخ هذه الصورة في الوعي الجماعي. 

ولئن كان الغراب في النصوص الدينية يكشف عن عجز الانسان عن مقاومته لأهوائه وإن كان ظهوره بعد الجريمة فإن الغراب في هذه المملكة هو في مقدمة الصورة يظهر ليكشف لنا كيف يمكن للجماعة أن تواري عقلها وأن تمنح الوهم هيئة الحقيقة. 

الغراب في الصورة يقف بثبات على الجمجمة كأنه التمثال أو الصنم، يتخذها عرشه وكلاهما يولي وجهه نفس الوجهة، فهل يستوي الأموات والأحياء؟

إن الجمجمة هي آخر ما تبقى من الإنسان بعد الموت، هي شاهدة على أنه كان في مكان ما وفي زمن ما، هي ما يبقى من كينونته بعد أن يسقط عنه كل ما يمنحه هويته وإنسانيته، هي موضع الدماغ، العقل، الوعي، الذاكرة، لكن تظهر خاوية، جوفاء بلا عين بلا أنف بلا فم، لا شيء تحتويه غير الفراغ، منزوعة من كل قدرة على الفعل، مسلوبة الإرادة، منزوعة الإدراك، وهذا يضفي معنى آخر على المسردية، هل يكون النص رحلة في مسيرة الانسان المفرغ من إنسانيته؟

ويستفز المتأمل ذلك القبر الحديث، فهل هو للجمجمة التي يعتليها الغراب؟ كيف تبلى الملامح والقبر حديث، إذن نحن لسنا أمام موت عابر، بل إزاء موت جديد ومتجدد فالقبر يتوسط شارع المدينة المتصدعة والمتداعية، إنه لمشهد سياسي صامت صارخ فاضح في الآن نفسه، سلطة تتعالى فوق أنقاض إنسانية شوهاء: أنقاض مدينة سقطت وقبر حديث يواري سوأة إنسان جسد يحاول إخفاءه وستر ما بقي منه ولا تواجه العالم إلا هذه الذاكرة المفقودة.

المشهد مهندس بدقة لا متناهية، والكاتب يحرص على انتقاء تفاصيله ليكشف للقارئ ما وراء الوقائع ويضيء له ما ينتظره بين صفحات المسردية.

إن الجمجمة ليست تفصيلا هامشيا بل هي المركز الأساسي للصورة، أكثر الأجزاء صمتا تصبح أكثرها قدرة على البوح والكشف والمكاشفة. وفي هذا السياق يصبح الغراب وهو فوق هذه الجمجمة الخاوية صورة للسلطة التافهة في مدينة تعيش على موت أبنائها، على ذاكرتها المفقودة، وتستمد شرعيتها من ذلك الصنم المقدس لذلك فإن صورة الغراب على الغلاف لا يجب أن تقرأ باعتبارها إحالة على الشؤم أو الموت فحسب، إنها استدعاء لذاكرة ثقافية كاملة تبدأ بالغراب الذي علم الإنسان دفن أخيه، ثم تعيد طرح السؤال التالي ماذا يمكن أن يعلمنا الغراب اليوم وقد بلغ الإنسان درجة من التحضر، هل سيعلمنا كيف ندفن الأحياء أم سيعلمنا كيف نصنع ملوكنا؟

إن المفارقة الكبرى هنا والأشد قسوة على المتلقي وهو يغوص في تلافيف هذه الصورة حين يتبين أن المعلم هو الإنسان الذي علم الغراب كيف يحكمه ويدير مملكته.

هنا يصبح الغلاف سؤالا معلقا يبحث عن الأجوبة المحتملة والمؤجلة، هل أن المسردية هي سبر في المحتمل السياسي؟ هل هي محاولة لكشف الوجه الحقيقي للسلطة القائمة وقد تنازل الإنسان عن وعيه وإرادته، وقد حول الكائن البسيط إلى صنم مقدس بفعل التضليل والرمز إلى سلطة والسلطة إلى قدر محتوم.

 المسردية وهي تعيد تدوير الحكاية الأولى للغراب تطرح أسئلة جديدة فعوض أن نتساءل عن كيفية تعاملنا مع الموت يجب أن نسأل كيف نتعامل مع السلطة التي صنعناها بأيدينا ثم نعجز عن مواجهتها؟ كيف نتعامل مع حضارة تزدهر على رفات إنسانية شوهاء؟ كيف نواجه هذه الحضارة السائلة وهذه الهوية السائلة.

وليست الآجسام وحدها هي التي تنتج المعنى، بل إن الألوان تلازمها في إنتاج الدلالة النصية للمسردية  إذ يتحول الغلاف إلى فضاء مثقل بالالتباس والغموض.

يصبح الغلاف لوحة فنية تتشكل جزئياتها تدريجيا ، إنها لا تضاف إليها من الخارج، بل تولد من داخلها، بنبض خفي يجعلها تتفاعل وتتجاذب أطراف المعنى، فالأبيض والأسود يتنازعان أطراف الغلاف لا بوصفهما مجرد لونين متقابلين بل بوصفهما قوتين تتنازعان فضاءها ،سواد الغراب وسواد التراب وسواد المدينة والأنقاض الرمادية في مواجهة بياض الجمجمة وبياض العنوان وبينهما يشتعل اللون الأحمر لون محترق خالطه السواد، ورغم ذلك يظل الغراب كالصنم واقفا بكل ثبات في قلب الاشتعال، أما العنوان فغارق في الاشراق، وكان اللغة تصيبها عدوى الأقنعة لتحمي نفسها من الاندثار .

هنا لا يصبح اللون مجرد عنصر جمالي بل يتحول إلى قوة سردية مكثفة تولد من رحم زمن غابر تتنازعه الأضداد، فجر يحاول أن يولد من رماد، وليل يحاول أن يبتلع ما بقي من ضوء، فهل تزدهر الممالك وتزهر فوق الرماد؟ وأي مصير لهذه الممالك التي تبنى على العقول الخاوية والأوهام المقنعة والإرادة المسلوبة والهوية المطموسة.

إن الأديب يجعل من الكتابة محاولة لمنح المعنى لواقع احترق في زمن الحداثة السائلة والهويات المأزومة والمستقبل القاتم. 

هكذا يصبح الغلاف بكل جزئياته عالما لا يظهر كاملا وإنما يكتفي بإثارة أسئلة، إنه عتبة منتجة للأسئلة دافعة للاشتغال الفكري. فهل تكون المحبرة الجلاوجية هي الروح التي تحلق بين أنقاض البشر لتروي لنا ما حدث في مملكة الغراب؟




 


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology