مغامرات چيمو.. حين يصبح الفن أداة للدمج وتغيير المجتمع

 



كتبت عبير سعدالدين 


ليس من السهل أن تشاهد عرضًا مسرحيًا محدود الإمكانيات الإنتاجية، ثم تخرج منه وأنت تشعر أن ما شاهدته أكبر بكثير من إمكانياته. وهذا تحديدًا ما نجح فيه عرض «مغامرات چيمو» على مسرح الشمس.


منذ اللحظات الأولى، يبدو واضحًا أن العرض لم يعتمد على ضخامة الإنتاج أو كثرة عناصر الإبهار، وإنما راهن على العنصر الأهم في المسرح: الممثل.


وهنا تأتي واحدة من أهم نقاط قوة العرض؛ وجود عدد من الفنانين من ذوي الهمم ضمن أبطال العمل، ليس باعتبارهم حالة استثنائية أو مجرد جزء من رسالة العرض، وإنما باعتبارهم فنانين يؤدون أدوارًا حقيقية داخل البناء الدرامي.


واللافت أن العرض لا يضع الإعاقة في مقدمة المشهد، ولا يجعل المشاهد يتعامل مع هؤلاء الفنانين طوال الوقت باعتبارهم «أشخاصًا من ذوي الهمم». بل على العكس، تندمج شخصياتهم داخل الأحداث بصورة طبيعية جدًا، إلى درجة أن المشاهد قد لا يكتشف حقيقة كونهم من ذوي الهمم إلا في نهاية العرض.


وهنا تحديدًا تكمن قيمة التجربة؛ فالدمج في «مغامرات چيمو» لم يكن شعارًا يُقال، وإنما كان ممارسة فنية على خشبة المسرح.


الترند.. مرآة للمجتمع


اختيار موضوع العرض كان موفقًا جدًا، ففكرة الترند والشهرة أصبحت جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية.


نحن نعيش في مجتمع أصبح فيه الكثيرون يطاردون المشاهدة، والانتشار، واللايكات، وأحيانًا الشهرة بأي ثمن. لذلك جاء تناول العرض لفكرة الترند في توقيت شديد المناسبة، ونجح في تحويل ظاهرة نعيشها يوميًا إلى مادة مسرحية تحمل قدرًا من الكوميديا والرسالة في الوقت نفسه.


لكن العرض لم يتوقف عند نقد الهوس بالترند، وإنما قدم الفن نفسه باعتباره قوة قادرة على التأثير في الإنسان والمجتمع، وعلى إحداث التغيير الحقيقي.


وهذه ربما واحدة من أجمل رسائل العرض: أن الشهرة قد تكون لحظة، أما الفن الحقيقي فيترك أثرًا.


الممثل هو البطل الحقيقي


مع محدودية الإمكانيات الإنتاجية، كان الاعتماد الأكبر على أداء الممثلين، وهو اختيار أثبت نجاحه.


الإخراج استطاع توظيف حركة الممثلين على خشبة المسرح بشكل جيد، وحافظ على إيقاع العرض وتنوعه، مع وجود مساحات للتمثيل والغناء والرقص والاستعراض.


ويأتي الفنان كريم الحسيني في مقدمة عناصر القوة في العرض، باعتباره بطل العمل. وعلى الرغم من وجوده بشكل مستمر تقريبًا على خشبة المسرح، فإنه استطاع الحفاظ على تنوع أدائه، والتنقل بين التمثيل والغناء والرقص دون أن يفقد الشخصية أو إيقاع العرض.


وهذا التنوع كان مهمًا جدًا في الحفاظ على انتباه الجمهور، فلم نشعر بأن وجود البطل المستمر على المسرح أصبح سببًا في الملل.


كذلك كانت الفنانة التي جسدت شخصية «الترند» متميزة، واستطاعت أن تمنح الشخصية ملامح واضحة، وأن تنتقل بين الشخصيات والحالات المختلفة بشكل جيد، وهو ما أضاف الكثير إلى الجانب الكوميدي والدرامي للعمل.


أبطال من ذوي الهمم.. بعيدًا عن التعاطف


ربما من أكثر الأشياء التي لفتت انتباهي في العرض أداء الأبطال من ذوي الهمم.


الجميل هنا أننا لا نشاهدهم من زاوية «التعاطف»، وإنما نشاهدهم كفنانين على خشبة المسرح.


قدموا أدوارهم بمستوى عالٍ من التركيز والحضور، ونجحوا في الاندماج مع بقية فريق العمل بصورة طبيعية جدًا.


وهذا في رأيي من أهم نجاحات «مغامرات چيمو»؛ لأنه يقدم نموذجًا مختلفًا لفكرة الدمج، نموذجًا لا يقول للجمهور: «انظروا، هؤلاء من ذوي الهمم»، وإنما يقول ببساطة: «انظروا إلى الفنان.»


الباليرينا.. لغة جسد تصل إلى الجمهور


ومن العناصر التي تركت أثرًا خاصًا لدي شخصية الباليرينا.


كان أداؤها لطيفًا ومؤثرًا، واستطاعت من خلال الحركة أن توصل إحساس الشخصية دون الحاجة إلى الاعتماد على الكلام وحده.


وكانت الانتقالات بين المشاهد والحالات الحركية، خصوصًا مشاهد وجودها مقيدة بالحبل ثم تحررها والرقص من دونه، من اللحظات التي تحمل دلالة واضحة، وتمنح الحركة معنى يتجاوز مجرد الاستعراض.


وكان من اللافت أيضًا نجاح الإضاءة في دعم هذه المشاهد وإبراز الحالة الشعورية لها.


عناصر العرض


الإضاءة كانت موفقة في عدد من المشاهد، وكذلك اختيار الأغاني والألحان، والتي ساعدت في الحفاظ على روح العرض وإيقاعه.


كما جاءت الملابس مناسبة لطبيعة الشخصيات والأجواء العامة للعمل، وأسهمت في تكوين الصورة البصرية للعرض.


أما الديكور، فهو العنصر الذي كنت أتمنى أن يحصل على مساحة أكبر من الاهتمام.


فالديكور كان يمكن أن يكون أكثر ارتباطًا بفكرة العرض، وأن يلعب دورًا أكبر في التعبير عن عالم «الترند» والشهرة، خصوصًا أن الموضوع يسمح بالكثير من الحلول البصرية المبتكرة. وفي رأيي، كان يمكن للديكور أن يضيف طبقة أخرى للعرض لو تم توظيفه بصورة أكثر ارتباطًا بالفكرة.


لكن هذه الملاحظة لا تنتقص من التجربة بقدر ما تكشف عن مساحة كان يمكن استثمارها بشكل أكبر.


في النهاية.. الفن ينتصر


«مغامرات چيمو» تجربة تستحق التوقف عندها، ليس لأنها عرض مسرحي عن ذوي الهمم فقط، وإنما لأنها تجربة تؤكد أن المسرح يستطيع أن يصنع الدمج دون أن يتحدث عنه طوال الوقت.


العرض أثبت أن محدودية الإمكانيات الإنتاجية لا تعني بالضرورة محدودية القيمة الفنية، عندما يكون هناك ممثلون يمتلكون الحضور، وإخراج يعرف كيف يوظفهم، وفكرة تمس واقعنا.


وفي زمن أصبح فيه الكثيرون يطاردون الترند بحثًا عن الشهرة، يأتي «مغامرات چيمو» ليطرح سؤالًا مهمًا:


ماذا لو كان هدفنا أن نصنع أثرًا، لا مجرد ترند؟


وربما تكون الإجابة التي يقدمها العرض ببساطة شديدة:


الفن الحقيقي لا يحتاج أن يطارد الترند.. لأنه قادر على أن يصنع أثره بنفسه.




إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology