‫«الحوار المتمدن» الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الشاعر والكاتب الدكتور بلعربي خالد (هديل الهضاب )



بقلم الناقد الدكتور عطا درغام



    هديل الهضاب: حوار مع الشاعر بلعربي خالد في الفضاء الثقافي الجزائري والعربي، يبرز اسم بلعربي خالد، المعروف في أوساط الأدب بلقبه الشاعري "هديل الهضاب". هو مبدع يعيش بقلب شاعر ؛ يفكك في قصائده تراكيب الوجود من خلال ديوانه "عزيف الصمت"، ويغوص في المسرح الفردي عبر نصوص مونودرامية لافتة،. في هذا الحوار الحصري، نلتقي بالشاعر بلعربي خالد لندخل معه في عوالم الشعر، والمونودراما، والتقاطعات التي تجمع بين الإبداع.


المحور الأول: الهوية الشعرية وبدايات «هديل الهضاب»


1. لكل شاعر نقطة انطلاق وتأثير أول، كيف ولدت شخصية «هديل الهضاب» في بيئتك الأولى؟


أظن أن «هديل الهضاب» لم يولد في لحظة واحدة، وإنما تشكّل بالتدريج من رحم البيئة الأولى، بما تحمله من تفاصيل المكان والذاكرة والناس والأصوات. الهضاب بالنسبة إليّ ليست مجرد جغرافيا، وإنما ذاكرة روحية وثقافية؛ فيها قسوة الطبيعة ودفء الإنسان، وفيها الصمت الذي يترك أثراً عميقاً في وجدان الشاعر.

ومن هنا جاء «الهديل» بوصفه صوتاً يبحث عن ذاته وسط فضاء واسع؛ صوتاً يحمل الحنين والأسئلة والانتماء، ويحاول أن يحول تفاصيل الحياة اليومية إلى لغة شعرية.


2. اخترت عنوان ديوانك «عزيف الصمت»؛ كيف يمكن للصمت أن يعزف، وما الرسالة التي حملتها هذه التسمية؟


الصمت في تجربتي ليس غياباً للكلام، بل هو أحياناً أكثر أشكال الكلام كثافة. هناك أشياء نعجز عن قولها مباشرة، فتتكفل القصيدة بالتعبير عنها.

أما «العزيف» فهو ذلك الصوت الخفي الذي لا نسمعه بالأذن بقدر ما نشعر به في الداخل. لذلك فإن «عزيف الصمت» هو محاولة للاستماع إلى ما تقوله الأشياء حين تتوقف اللغة العادية عن الكلام. وهو أيضاً تعبير عن إنسان معاصر يعيش بين ضجيج الخارج وصمت الداخل.


3. في قصيدتك «برق الزحام»، نلمس حيرة إنسانية عميقة؛ ما الذي يزحم مخيلة بلعربي خالد في لحظة كتابة القصيدة؟


يزحمها الإنسان أولاً. الإنسان بأسئلته، بخيباته، بأحلامه المؤجلة، وبمحاولته الدائمة للعثور على معنى في عالم سريع ومربك.

وقد يكون الزحام خارجياً، في الشوارع والأمكنة، لكنه يتحول عند الشاعر إلى زحام داخلي: أفكار وذكريات ومواقف وأسئلة تتصارع في لحظة الكتابة. والقصيدة في النهاية محاولة لترتيب هذا الزحام، لا لإلغائه.


4. كيف توازن في لغتك الشعرية بين الحفاظ على أصالة الموروث وبين التجديد المعاصر؟


الموروث بالنسبة إليّ ليس قيداً، كما أن التجديد ليس قطيعة مع الماضي. أتعامل مع التراث باعتباره جذراً يمنح الشجرة هويتها، بينما يمنحها التجديد القدرة على الاستمرار والنمو.

أحاول أن أستفيد من ثراء العربية، ومن موسيقاها وصورها وطاقاتها البلاغية، وفي الوقت نفسه أفتح القصيدة على أسئلة الإنسان المعاصر ولغته ومخاوفه. المهم في رأيي ألا يكون الشاعر أسيراً للماضي ولا منبهراً بالجديد لمجرد أنه جديد.


5. هل ترى أن الساحة الشعرية الجزائرية الحالية تنصف الأصوات الجادة، أم أن «الزحام» الإعلامي يظلم القصيدة الحقيقية؟


الساحة الجزائرية غنية بالأصوات والمواهب، وفيها تجارب شعرية تستحق الكثير من الاهتمام. لكن المشكلة أن المشهد الثقافي أصبح يعيش نوعاً من «الزحام» الذي لا يسمح دائماً للأعمال الجادة بأن تأخذ وقتها الطبيعي.

وسائل التواصل منحت الجميع مساحة للتعبير، وهذا أمر إيجابي، لكنها في المقابل جعلت الحضور أحياناً مرتبطاً بقدرة الشخص على صناعة الصورة أكثر من قدرته على صناعة النص. لذلك أعتقد أن الزمن يبقى في النهاية هو المحك الحقيقي؛ فالنص الجيد يستطيع أن يعيش بعد أن يهدأ الضجيج.


المحور الثاني: المسرح والمونودراما.. تشريح الواقع


6. كتبت نصوصاً مونودرامية لافتة مثل «مونودراما الأنف»؛ ما الذي يجذب الشاعر إلى مسرح الشخصية الواحدة؟


المونودراما تمنح الكاتب مواجهة مباشرة مع الذات. عندما تكون الشخصية وحيدة على الخشبة، فإنها لا تستطيع الاختباء خلف مجموعة من الشخصيات، ولذلك يصبح الحوار في كثير من الأحيان حواراً مع النفس ومع المجتمع ومع الذاكرة.

وما يجذب الشاعر تحديداً هو أن المونودراما تمنحه فرصة الجمع بين الشعر والمسرح؛ بين كثافة الصورة وإيقاع اللغة من جهة، والحركة والصراع الدرامي من جهة أخرى.


7. في نصك «الطيب والشرير.. وجهان بعملة واحدة»، هل تعكس هنا صراعاً فلسفياً أم رصداً لواقع اجتماعي عشته؟


هو الاثنان معاً. الكتابة لا تأتي عادة من فراغ؛ الواقع هو المادة الأولى، لكن الكاتب يحاول أن يتجاوز الحادثة المباشرة إلى سؤال أعمق.

العنوان نفسه يقوم على المفارقة: هل الخير والشر نقيضان بالفعل، أم أن الإنسان قد يحمل داخله الاثنين معاً؟ ومن هنا يتحول النص من مجرد رصد اجتماعي إلى مساءلة للإنسان واختياراته وتناقضاته.


8. كيف يخدم النص المسرحي المكتوب بقلم شاعر الفكرة الدرامية مقارنة بالنص النثري العادي؟


الشاعر يميل بطبيعته إلى الاقتصاد في العبارة وإلى تكثيف الدلالة. وهذه خاصية مفيدة جداً في المسرح، لأن الجملة المسرحية ينبغي ألا تكون مجرد كلام، بل يجب أن تحمل فعلاً أو موقفاً أو دلالة.

لكن الشعر وحده لا يصنع مسرحاً. المسرح يحتاج إلى وعي بالشخصية والصراع والإيقاع والحركة والفضاء. لذلك أحاول حين أكتب للمسرح أن أترك الشاعر بداخلي يتفاعل مع الكاتب المسرحي، دون أن يطغى أحدهما على الآخر.


9. من هو «السيد» في نصك «السيد خادم الكلب»، وما هي الرمزية التي أردت إسقاطها من خلال هذا العنوان الصادم؟


«السيد» هنا ليس بالضرورة شخصاً بعينه، وإنما يمكن أن يكون رمزاً لعلاقة مختلة بين السلطة والخضوع، وبين من يعتقد أنه يمتلك القرار ومن يجد نفسه في النهاية خادماً لمن يظن أنه تابع له.

العنوان مقصود في صدمته، لأن المفارقة تفتح باب التأويل. أحياناً يكون الإنسان سيداً في الظاهر وخادماً في الجوهر، وقد يصبح أسيراً لمصالحه أو خوفه أو طموحه

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology