محجوب الكريشي أستاذ تنشيط ثقافي و باحث في العلوم الثقافية تونس
يُعتبر العنف المدرسي من الظواهر التي تؤثر سلبًا في المناخ التربوي، لما يخلّفه من توتر وخوف واضطراب داخل المؤسسة التعليمية. ولا تقتصر مواجهة هذه الظاهرة على العقاب والردع، بل تحتاج إلى مقاربات تربوية وثقافية تساعد الطفل على التعبير عن مشاعره، واحترام الآخرين، وحلّ الخلافات بطريقة سلمية. وهنا تبرز الأنشطة الثقافية باعتبارها وسيلة تربوية فعّالة للوقاية من العنف المدرسي والحدّ منه.
فالأنشطة الثقافية، مثل المسرح والموسيقى والرسم والمطالعة والنوادي الثقافية والمسابقات الأدبية، تمنح التلميذ مساحة آمنة للتعبير عن أفكاره ومشاعره، وتساعده على اكتشاف قدراته ومواهبه. كما أن العمل الجماعي داخل هذه الأنشطة يعلّمه التعاون والحوار واحترام الاختلاف، وهي قيم أساسية لبناء علاقات سليمة بين التلاميذ.
ويُعتبر المسرح المدرسي من أبرز الوسائل القادرة على معالجة ظاهرة العنف، إذ يمكن من خلاله تقديم مشاهد تربوية تعالج التنمر والشجار والإقصاء، ثم فتح باب النقاش مع التلاميذ حول أسباب هذه السلوكيات وطرق التعامل معها. كما تساهم المطالعة والقصة في تنمية التعاطف، عندما يتعرّف الطفل على شخصيات وتجارب مختلفة ويتعلم فهم مشاعر الآخرين.
أما الفنون، فهي تتيح للتلميذ تحويل الغضب والتوتر إلى إنتاج إبداعي؛ فيرسم، ويكتب، ويغني، ويمثّل بدل أن يعبّر عن مشاعره بالسلوك العنيف. وبذلك تصبح المؤسسة التعليمية فضاءً للإبداع والتواصل، لا مجرد مكان للتعلم الأكاديمي.
إن مواجهة العنف المدرسي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع، والثقافة يمكن أن تكون جسراً مهماً بينها. لذلك من الضروري دعم النوادي الثقافية وتوفير فضاءات للإبداع داخل المؤسسات التربوية، وتشجيع التلاميذ على المشاركة فيها دون تمييز.
الأنشطة الثقافية ليست مجرد ترفيه أو ملء لوقت الفراغ، بل هي أداة تربوية تبني شخصية متوازنة، وتغرس قيم التسامح والحوار والاحترام، وتساعد على تحويل طاقة الطفل من الصدام إلى الإبداع. فكلما اتسعت مساحة الثقافة في المدرسة، ضاقت مساحة العنف.
