: رؤية تحليلية بقلم./ أحمد بيضون
رماد منذ اول وهلة ترتبط الدلالة الرمزية هذي العنونة بالفناء أو الموت أو الاندثار أو زوال كل نابض بالحياة لتذروه الرياح،
الراوي العليم يحكينا قصة عائلة بطلها أم وأب يتقاسمان حلو الحياة ومرها، جمعهما الحب المتبادل وطلاوة المعشر، لكن يبدو أن كل شيء تلاشى بعد رحيل فلذتهم كريم…
يبدأ السيل السردي بنوبات هلع وقلق ينتاب زوجاََ لما دقت الرابعة والنصف صباحاََ، كانه يعاني من عضال نفسي يعرف باضطراب ما بعد الصدمة بعينيه الزائغتين والتوجس والصفعة المباغتة التي يعقبها صمت ممض وقد خارت قواه،في حين زوجةٍ تترقب أفاعيله دون أيما ملاحظة منه لكنها انطلقت في نوستالجيا إلى مأساة الصبا؛ لمّا كانت أكبر إخوتها التسع وتبدت حاضنتهم لتهدهدهم وترعاهم وتتكبد عناء مسؤولية مفروضة من أمها دونما إرادة، حتى باتت تمقت الخلَف، حتى عندما تزوجت معشوق أحلامها تعاهدا على تأخير الإنجاب بمحض إرادتهما، لكن تلك السكينة التي دبت بين وليفين في عش الزوجية هالها ذاك الحُنو والحنين الأبوي المفقود، لما تحسست أن زوجها من حقه أن يكون أباََ وراعياََ يفرح بوليد من صلبه، بالفعل - ابتسمت لهما مباهج الحياة وتقافزا من فرط سعادة غامرة وهما يترقبان جنينا رحيميا بتنامي حتى شهق برشفة الحياة، بات يلوسان بسمة ثغر طال أمد انتظاره..
لكن.. تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن والمصائب لا تأتي فرادى، لا غرو بأنهما عانا في خضام المسؤليات الحياتية الاقتصادية والاجتماعية الشاقة وأثرة عادة قديمة كانت تتباهى بالتكاثر دون الحاجة لوسائل تحديد النسل، ما زاد غصة الحياة هو أن حلمهما أغمض عينيه سريعاََ جداََ ولفظ أنفاسه الأخيرة مع دويّ صرخات ترسم نهايتي الأبوة والأمومة، لكنَّ الاب شديد التعلق بكريم ظل يراه يركض ويضحك ويحلق بعيداََ، كأنه مشهد سرمدي لن يفارق منامه، فبات رماد الذكريات يزور موئله، حيث ارواحاََ ميته على قيد الحياة..
وهنا.. بعدا رمزيا مضافاََ إلى الرماد وهو الجفاف العاطفي بين زوجين مكلومين لم تمهلهما معاول الأقدار لتجتث نبتتهم التي بعثت في نفوسها الأمل.. فهل سيظل الأبُ طريدا وفريسةََ بين رحايا الذاكرة وكابوس التحليق؟ وهل ستظل الأم الثكلى تشعر بالندم انها لم تتبع سيرة الأوَّلين ويؤنبها زاجر الضمير أنها تأخرت كثيرا بأن تملأ عشها بالبنين؟ أم أنه لا يمنع حذر من قدر ويجب عليهما تدارك الأمور والإيمان بقضاء المولى الذي سيخلف عليهم بجميل الأقدار.. إنه على كل شيء قدير.
أهنئ أنفسنا بهذه التحفة السردية المكثفة الأمثولة كقصة قصيرة مائزة تخاتل الوجدان وتبرع في البناء السردي وترابطه وسلاسة الأسلوب ويمكننا التخلي عن الإشارة الاستهلالية لدقات الرابعة والنصف.. لمزيد من العطاء والإبهار...
**************
النص:
***رَماد
الساعة الرابعة والنصف صباحًا...
انتفض من نومه مذعورًا، عيناه تائهتان زائغتان، يهرول باحثًا عنه. توقف فجأة... كأن شيئًا صفع ذاكرته، فأطبق عليه الصمت.
جرّ قدميه خائر القوى. كم يبدو متماسكًا أمام الجميع، كأنه جبل لا تهزه أعنف الصدمات!
نظر إليها؛ أوهمته أنها نائمة حتى لا تزيده رؤيتها انكسارًا.
أحبها من أول نظرة؛ نظرة عابرة، وجد فيها كل حياته، ووجدت فيه روحها.
أقسمت ألا تتزوج، وألا تضع روحها تحت مقصلة المسؤولية. منذ نعومة أظفارها، كانت مسؤولية أسرتها تقع على عاتقها.
آهٍ من أمي، التي كانت تضع كل عام مولودًا لتثبت أنها أنثى؛ حظها التعس جعلها كبرى أخواتها التسع!
«احملي هذا... هدهدي هذه... تعبتُ من هذه الكلمات...»
قابلته... فنسيت معه قسمها.
وافق على شرطها: ألا يكون هناك أطفال في حياتهما.
توالت الأعوام ولم يفتر الحب، لكن ظل شيئًا ناقصًا. كانت تلمحه في عينيه حين يرقب الأطفال، وفي تلك الرعشة الحانية التي تسري في جسده وهو يضم أحدهم إلى صدره، كأنه يربّت على قطعة من قلبه.
عرفت حينها كم كانت أنانية... وأنها لا تحبه بما يكفي لتسعى إلى إسعاده بحقه الطبيعي في أن يكون له ابن يكبر أمامهما، يتقاسمان معه حلمهما؛ ينتظران أول كلمة ينطقها، وأول خطوة يخطوها، ويطيران من الفرح.
قررت أن تفاجئه بخبر حملها؛ أرادت أن تعيد الأمل إلى روحه، بعد أن أوشك أن يخبو.
لم يصدق ما سمعه. ظل يقفز من السعادة كطفل صغير وجد الحلوى أخيرًا، وتشبث بها بين يديه، يأبى أن يفرّط فيها.
منذ أن سمعا نبض قلبه، وشعرا بحركاته، إلى أن جاء اليوم الذي أطل فيه بنور وجهه على الحياة، فملأ حياتهما روحًا لم يعتاداها من قبل.
كبر أمامهما، يخطو خطواته الأولى ممسكًا بأيديهما.
كم كانت قاسية على نفسها قبل أن تكون قاسية عليه بذلك الشرط الذي حرمهما من السعادة التي تعيشها الآن، ودعت الله أن يديمها عليهما.
فتحت عينيها ببطء، ومدت إليه يديها.
شدّها إليه، واحتضنها كما احتضن كريمًا يوم كان يركض ببراءة وسط السيارات؛ لم تلتفت روحه الصغيرة إلى صراخهم وذعرهم...
وأغمض عينيه...
في أعماقه، ظل كريم يركض... يضحك... ويحلق بعيدًا.

