رؤية نقدية في قصيدة " مهدد يُهدهد" للشاعر السعودي إبراهيم القرشي، بعنوان: " ملحمة الجوع والرصاص حين يتكلم المهد."



بقلم/ سهيلة آل حجازي 

      

    في وادي وج ينحدر السيل وكأنه بساط مِن لجين، أو كأن النسيم في مدينة الطائف رسول صُبح يَرفل بالطيب، حاملًا إلينا شاعرًا شغلته القضية العربية عامة، و الفلسطينية خاصة، فيجمع بنا إبراهيم القرشي بين حرارة الشوق، وبرودة المزن، وصلابة الصخر، ورقة الورد الطائفي، وكأنه لوحة من الطباق بين صيف دافئ ونسيم عليل، وما زالت الطائف تنبض بكل ما هو جميل أدبًا وخُلقًا وعلمًا. 


       " ملحمة الجوع والرصاص حين يتكلم المهد." رؤية نقدية في قصيدة مهد يهدهد. 

     تمثل هذه القصيدة نموذجًا للأدب النضالي المأساوي الحديث؛ إذ تمتزج فيها لغة الفجيعة بالمود الفكري، وتلتقي مرارة الواقع السياسي والإنساني بروح العقيدة والرجاء، فتنهض القصيدة على جدلية الموت والولادة، المأساة والأمل، هوان الواقع وعزة العقيدة. 


     لدراسة هذه القصيدة ثمة أربعة محاور رئيسية تتجسد في:

١) حوارية الفجيعة والأمل التي هي البناء الموضوعي والدلالي:

    إن القارئ المتمعن في القصيدة يجد أن نسيجها يتحرك وفق مسار درامي منتظم، يتطور من الانهيار الإنساني التام إلى استعادة الفاعلية واليقين بالتحرير. 

   فتبدأ القصيدة بمشهد سينمائي شديد القسوة، وكأنَّ ثمة فنانًا يرسم بريشته عمق هذه الفجيعة، عندما يقول إبراهيم القرشي: "مهد يهدهد، والأحلام تحتضر، والثدي جفَّ، وماء العين ينهمر" فهنا تناقض عجيب بين وظيفة المهد والأمومة التي هي إنزياح عجيب عن الحياة والحرص، وبين واقع الجفاف والموت، فالمجاعة هنا تحضر كأداة بطش تتجاوز قسوة القصف والحرص، لتصل إلى التساؤل الفلسفي الوجودي الصادم:" هل يؤكل الميت أم هل يؤكل الحجر؟" 


    ننتقل من هذا إلى نقطة تحول يكسر فيها إبراهيم القرشي الانكسار عبر صوت الطفل الصغير، فيُسقط الشاعر رمزية الضعف عن الطفل؛ ليتولى هو دور المنقذ والمثبت للأم، فتتحول العلاقة، فالطفل الذي كان يُهَدهَد للموت أصبح مصدرًا للوعي والسكينة.

وتعال انظر معي للمفارقة العجيبة في السردية الشعرية التي قام بها إبراهيم القرشي حين جعل في بداية القصيدة مهد الأمومة وكيف تحتضن الأم طفلها لتحميه، ثم حصرها في النهاية لكيف تحتضن الأم ابنها الشهيد. 

  

     يهدينا إبراهيم بعدها إلى رؤية عقائدية وثورية؛ إذ يتسامى الخطاب من الأثر الإنساني المحلي إلى البعد الرمزي التاريخي متجليًا في وحي حطين، ويتجسد البعد العقائدي في تداخل مفهوم الشهادة بالنصر، فيصبح الموت في سبيل المبدأ استمرارًا للحياة وليس نهاية لها. 


2) التصويرية والأسلوبية في النص:

    اعتمد إبراهيم القرشي على تكثيف الصور البيانية؛ لخدمة بُعديّ المأساة والنضال في القصيدة. 

- الصور والمعجم اللغوي: 

نجد أن المعجم اللغوي في هذه القصيدة موزع على مستويين: 

1) المعجم المأساوي: (تحتضر، جف، ينهمر، كفننا، صدأ، المجاعة) ونجد أن إبراهيم القرشي استطاع توظيفه لرسم لوحة واقعية قاتمة تعكس الحصار والجوع. 

2) المعجم الملحمي " العقائدي" : (ملحمة، حطين، حنايا الروح، الثأر، الرصاص) وهنا تتجلى الانتقالة النفسية من الانكسار إلى التحدي. 


- الاستعارة والتشخيص:

استطاع الشاعر تجسيد المعنويات في صور مادية حية:

* نور الصبر كفننا *تشبيه بليغ يدمج الموت بالضياء، فالصبر نور لكنه يلتف كالكفن. 

* فسهم الليل منتصر * استعارة تعبر عن قوة الدعاء في الليل وقدرته على خرق ظلمات الظلم. 

* سهم الليل، ليلي كان أمنية * استخدم رمزية الليل كمسرح للمناجاة والعبادة، وكرمز للحصار والظلم من جهة أخرى. 


3) الموسيقى والإيقاع: 

   نُظمت القصيدة على بحر البسيط ( مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن) ومن المعروف أن البسيط بحر ممتد يمتاز بالطاقة الاستيعابية العالية، التي تتسع للتعبير عن الفجيعة والحزن، وفي الوقت نفسه يمتلك جزالة وحماسة تناسب خطابات الصمود والملحمة. 

- اعتمد إبراهيم القرشي الروي المضموم (رُ) والمقترن بالمد أو السكون أحيانًا (ينهمرُ، القدرُ، الثمرُ...) والمتمعن يدرك أن حرف الراء المضموم يعطي صوتًا محشرجًا يتناسب مع أنين الفجيعة، وصوت الثورة والتحدي. 


- ومن الملاحظ كذلك أن التكرار اللفظي يبرز كتقنية تلوين إيقاعي ونفسي، تكرار "نم يا صغيري" في بداية الأبيات المتتالية يُمثل إيقاع الهدهدة والحسرة، التوازن الصوتي والتقسيم في الأجزاء المأساوية: "والطير مات، ومات البهم والشجر." لتأكيد الشمولية والخراب الشامل. 


4) الرمزية والاستدعاء التاريخي:

 - نجد أن إبراهيم القرشي استدعى رمزًا تاريخيًا هامًا ألا وهو حطين، وكذلك فالأمر ليس حشوًا تاريخيًا، بل توظيفًا رمزيًا يشير إلى حتمية التحول التاريخي، و انكسار المعتدى بعد مرحلة الاستضعاف. 


- نجد الشاعر ينقلنا بعدها من البعد الجغرافي والإنساني الضيق إلى البعد الروحي المقدس: " والمعراج ينتظر"، "صرخت في القدس نائبة" مما يمنح التضحية بُعدًا يتجاوز الفناء الدنيوي إلى الخلود. 


ختامًا، فإن إبراهيم القرشي نجح في بناء قصيدة وجدانية نضالية متميزة استطاعت الانتقال بالمتلقي من التفاعل العاطفي مع صور الجوع والموت، إلى حالة من الشموخ والتأكيد على خيار المقاومة والصمود. 


مهد يُهدهَد للشاعر السعودي/ إبراهيم القرشي


مَه​دٌ ي​هَد​هَد​ وَالأَح​لَام​ ت​ح​تَضَر​

وَالث​َد​ي​ جَف​َ وَمَاء​ العَي​نِ يَن​هَمِر​

والط​ِف​ل​ سَل​َمَ لِلمَج​ه​ولِ غَم​ضَتَه​

هَل​ نَامَ فِي دَعَةٍ أَم​ جَر​َه​ القَدَر​

نَم​ يَا صَغِيرِي فَن​ور​ الص​َب​رِ كَف​َنَنَا

وَالكَو​ن​ أَظ​لَمَ وَالمِع​رَاج​ يَن​تَظِر​

نَم​ يَا صَغِيرِي لَعَل​َ الص​​ب​حَ مَو​عِد​نَا

فَنَر​تَقِي لِجِنَانٍ سَق​ف​هَا الث​َمَر​

نَم​ يَا صَغِيرِي فَلَي​لِي كَانَ أ​م​نِيَةً

تَذ​وب​ مِن​ ح​س​نِهَا الن​َج​مَات​ وَالقَمَر​

وَال​يَو​مَ ذَا قَمَرِي قَد​ ذَابَ فِي كَمَدٍ

وَالن​َج​م​ مِن​ ضَنَكِ الأَح​وَالِ م​ن​كَدِر​

مَا عَادَ ي​ف​زِع​نِي قَص​فٌ وَلَا حَرَسٌ

بَط​ش​ المَجَاعَةِ لَا ي​ب​قِي وَلَا يَذَر​

ق​د​ور​نَا ام​تَلَأَت​ دَم​عَاً وَأَغ​بِرَةً

وَحَف​َهَا صَدَأٌ لِل​قَاعِ يَن​حَدِر​

وَالك​ل​​ يَس​أَل​ فِي يَأ​سٍ وَفِي أَلَمٍ

هَل​ ي​ؤكَل​ المَيت​ أَم​ هَل​ ي​ؤ​كَل​ الحَجَر​

مَوتٌ ي​وَز​ِع​ بِالإِن​صَافِ ج​ر​عَتَه​

وَالط​َي​ر​ مَاتَ وَمَاتَ البَه​م​ وَالش​َجَر​

ق​م​ يَا صَغِيرِي وَيَا سَل​وَى  ت​ؤَن​ِس​نِي

وَار​فَع​ يَدَي​كَ فَسَه​م​ الل​َي​لِ م​ن​تَصِر​

مَالِي سِوَاكَ، وَلَي​لٍ يَس​تَحِل​​ غَدِي

وَدَع​وَةٍ ر​مِيَت​ فِي حَر​فِهَا الش​َرَر​

قَامَ الص​َغِير​ وَفِي عَينَيهِ مَل​حَمَةٌ

مِن​ وَح​يِ  حِط​ِينَ  لَاذ​ل​ٌ وَلَا خَوَر​

يَق​ول​ أ​م​َاه​ ك​ف​ِ الد​َم​عَ وَاب​تَسِمِي

دَعِ الب​كَاءَ لِمَن​ جَار​وا وَمَن​ فَجَر​وا

أ​م​َاه​ يَا وَطَنًا يَج​رِي بِأَو​رِدَتِي

بَع​دَ البَلَاءِ سَيَأ​تِي الن​َص​ر​ وَالظ​َفَر​

لَن​ يَخ​ذ​لِ الل​َه​ مَن​ ضَح​​و​ا بِأَن​ف​سِهِم​

سَي​ه​زَم​ الجَم​ع​ إِن​ سَاد​وا وَإِن​ كَث​ر​وا

قَد​ جَاءَنَا مَدَدٌ فِي الأَر​ضِ أَو​َل​ه​

وَم​ن​تَهَاه​ بِرَب​ِ العَر​شِ يَأ​تَمِر​

عَقِيدَةٌ بِحَنَايَا الر​​وحِ بَارِق​هَا

يَغ​ز​ الظ​َلَامَ فَيَم​ح​و ك​ل​َ مَامَكَر​وا

وَك​ل​َمَا صَرَخَت​ فِي الق​د​سِ نَائِبَةٌ

أَر​وَاح​نَا بِلَهِيبِ الث​َأ​رِ تَس​تَعِر​

نَح​ن​ الس​َلَام​ لِمَن​ مَد​َ اليَمينَ لَنَا

نَح​ن​ الر​َصَاص​ إِذَا لَم​ تَن​فَعِ الن​​ذ​ر​

فَإِن​ ر​فِع​ت​ شَهِيدًا فَاح​مِلِي جَسَدِي

وَهَد​هِدِيهِ فَح​ل​مِي الآنَ يَن​تَظِر​

 

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology