لايك للإخلاص



بقلم الكاتبة/سهام فودة 

لم يعد السؤال في زمن السوشيال ميديا: ماذا فعلت؟ بل: هل عرف الناس أنك فعلته؟

ربما هذه هي المفارقة الأكثر غرابة في عصرنا؛ أن يصبح الخير محتوى، والمشاعر مادة للنشر، والمواقف الإنسانية فرصة للتفاعل. نساعد، نحتفل، نحزن، نعتذر، نحب، ثم نلتفت سريعاً إلى الشاشة لنرى من شاهد ومن علّق ومن ضغط زر الإعجاب.

لا عيب في أن تُنشر قصة ملهمة، ولا خطأ في أن تستخدم وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لتشجيع الناس على فعل الخير، فالكلمة الإيجابية قد تصنع أثراً واسعاً. لكن المسافة بين نشر الخير وتحويله إلى استعراض هي المسافة نفسها بين أن تفعل شيئاً جميلاً وأن تحتاج إلى أن يعرف الجميع أنك فعلته.

وهنا تظهر زاوية مختلفة للإخلاص.

الإخلاص ليس فقط أن تكون وفياً للناس، بل أن تكون وفياً للحقيقة حتى عندما تستطيع تزييفها، وفياً لكلمتك حتى عندما لا يوجد من يراجعك، وفياً لصورتك الحقيقية أكثر من وفائك للصورة التي تصنعها عن نفسك أمام الآخرين.

فكم من إنسان يبدو مثالياً على الشاشة، بينما يدفع أقرب الناس إليه ثمن هذه المثالية؟ وكم من شخص يكتب عن الرحمة ثم يمارس القسوة في تعليق، أو يتحدث عن الوفاء ثم يفضح أسرار من كانوا يوماً جزءاً من حياته؟

السوشيال ميديا منحت الجميع منبراً، لكنها لم تمنح الجميع ضميراً.

ولهذا أصبح الإخلاص اليوم اختباراً أكثر صعوبة. ليس لأن الناس أصبحوا أقل قدرة على فعل الخير، بل لأن فرص التظاهر به أصبحت أكبر. يمكنك أن تبدو وفياً بمنشور، ورحيماً بصورة، وإنساناً بكلمات مؤثرة، لكن هناك أماكن لا تصل إليها الكاميرا، وهناك فقط تسقط كل الفلاتر.

الإخلاص يظهر في الرسائل التي لا تنشرها، والأسرار التي لا تستخدمها عند الخلاف، والشائعة التي تقرر ألا تشاركها، والإنسان الذي تستطيع أن تسيء إليه أمام الآلاف ثم تختار أن تصمت.

وهنا يتحول الإخلاص من مجرد شعور جميل إلى مسؤولية.

أن تكون أميناً في نقل المعلومة، خصوصاً في زمن تنتشر فيه الأخبار أسرع من الحقيقة. أن تتوقف قبل أن تعيد نشر اتهام، وأن تتذكر أن خلف كل صورة وحساب واسم إنساناً قد يدفع ثمن ضغطة زر لم تفكر فيها سوى ثانية واحدة.

ربما أصبح أحد أهم أشكال الإخلاص في عصر التواصل هو الإخلاص للحقيقة نفسها.

فليس كل ما ينتشر صحيحاً، وليس كل ما يحقق مشاهدات يستحق أن يُنشر، وليس كل ما يعرفه الإنسان يملك الحق في كشفه. أحياناً يكون الصمت أخلاقاً، وأحياناً يكون التحقق مسؤولية، وأحياناً يكون عدم المشاركة هو الموقف الأكثر إنسانية.

والأغرب أننا نبحث كثيراً عن الأشخاص المخلصين، بينما السؤال الأصعب هو: هل نظل مخلصين عندما لا يعود الإخلاص مفيداً لنا؟

أن تحترم شخصاً بعد انتهاء العلاقة، وأن تحفظ سره بعد الخصام، وأن تعترف بفضل إنسان حتى لو لم يعد بينكما شيء. هنا لا يكون الإخلاص مجرد بقاء، بل يصبح قدرة على ألا تتحول الذكريات إلى سلاح.

فالإخلاص الحقيقي لا يُختبر عندما تكون العلاقة جميلة، بل عندما تصبح لديك القدرة الكاملة على تشويهها.

وفي النهاية، ربما لا يحتاج الإخلاص إلى أن نكتبه في منشور، أو نعلقه في صورة، أو نبحث له عن جمهور.

لأن المفاجأة أن أكثر الناس إخلاصاً قد لا يبدو مخلصاً على السوشيال ميديا أصلاً.

ربما لم ينشر معروفه، ولم يعلن عن مواقفه، ولم يخبر أحداً بما فعله، ولم يترك دليلاً يمكن أن يحصل به على «لايك».

وهنا فقط نفهم أن بعض أجمل الصفات لا تخسر قيمتها لأنها لم تُنشر…

بل قد تكون قيمتها الحقيقية في أنها لم تُنشر أبداً.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology