جيلٌ شاخ قبل أن يشيب

 



يوسف اليامي 



أخبروا سبيستون أننا أصبحنا شباب المستقبل...


قولوا لها إن الأطفال الذين كانوا يركضون خلف شمس الغد، صاروا اليوم يركضون من ظلّ الموت.


قولوا لها إننا كبرنا.


لكننا لم نكبر على مهل.


كبرنا دفعةً واحدة، كما تنبت شجرةٌ في أرضٍ محترقة؛ خرجت أغصاننا من بين الرماد، وبدل أن تحمل أيدينا ألعاب الطفولة، حملت أكياس السفر، وأوراق النزوح، وأسماء الغائبين.


كنا ننتظر المستقبل كما ينتظر العطشان قطرة ماء.


كانوا يقولون لنا:


أنتم شباب المستقبل.


فكنا نبتسم...


ولم نكن نعرف أن المستقبل الذي كانوا يشيرون إليه كان يختبئ خلف دخان الحرب.


كنا أطفالًا نرسم اليمن بأقلامٍ ملونة.


نرسم جبالها خضراء، وسماءها زرقاء، وبيوتها دافئة، ونرسم الشمس كبيرةً فوقها، كأن الشمس نفسها كانت تعرف أن هذا الوطن يستحق الضوء.


ثم كبرنا...


فاكتشفنا أن بعض الجبال التي رسمناها لم تعد تخبئ وراءها سوى صدى القذائف، وأن السماء التي لوّناها بالأزرق صار الدخان يمحو زرقتها كل صباح.


حتى الشمس...


صارت تطلع على بلدٍ متعب.


تطلع كأمٍّ تدخل غرفة طفلها بعد ليلةٍ طويلة، تخاف أن تجد السرير فارغًا.


أخبروا سبيستون أننا أصبحنا شباب المستقبل...


لكن المستقبل خان الرسم.


كان يفترض أن نكبر ونحن نحمل شهاداتنا.


فحمل بعضنا نعوش أصدقائه.


كان يفترض أن تتعب أقدامنا من المشي نحو الجامعات.


فتعبت من المشي نحو الملاجئ.


كان يفترض أن تكون أيدينا مشغولة بكتبنا.


فصار بعضها يعرف خشونة البندقية أكثر مما يعرف نعومة الورق.


وكان يفترض أن تكون أعمارنا ربيعًا...


فجاءت الحرب وأشعلت الصيف في عروقنا.


يا لغرابة أن يولد الإنسان وفي يده حلم، ثم يكبر ليجد بندقيةً في مكانه.


يا لقسوة أن تكون في العشرين، لكن قلبك يحمل تجاعيد رجلٍ عاش حربًا كاملة.


نحن جيلٌ شاخ قبل أن يشيب.


جيلٌ ظهرت التجاعيد في ذاكرته قبل أن تظهر على وجهه.


جيلٌ تعلّم معنى الفقد قبل أن يتعلم معنى الحب.


جيلٌ حفظ أصوات الانفجارات كما يحفظ الأطفال أصوات الأغاني.


صرنا نعرف من صوت الطائرة إن كانت عابرة أم تبحث عن شيء.


نعرف من دويّ الانفجار كم يبعد.


نعرف كيف نصمت حين يجب أن نصمت.


وكيف نركض حين لا يكون للركض معنى.


أيّ طفولة هذه التي تُدرّب أطفالها على النجاة؟


أيّ وطنٍ هذا الذي يجعل من المأوى غرفةً في الذاكرة، ومن الخوف فردًا من أفراد العائلة؟


أخبروا سبيستون...


أن شخصياتنا المفضلة كانت تعود في نهاية الحلقة.


أما أصدقاؤنا فلم يعودوا.


كان الشرير يسقط في آخر المشهد.


أما الحرب، فما زالت واقفةً في منتصف الشاشة منذ سنوات.


كان البطل ينهض بعد سقوطه.


أما نحن، فتعلمنا أن بعض السقوط لا يسمعه أحد.


كانوا يقولون لنا إن الغد أجمل.


فكنا ننتظر الغد كمن ينتظر قطارًا تأخر كثيرًا.


ثم مرّ عام.


ثم عام.


ثم عام آخر...


حتى اكتشفنا أن الغد لم يكن قطارًا.


كان محطةً تتراجع كلما اقتربنا منها.


تلاشت الأحلام واحدةً واحدة.


ليس كأن يدًا اقتلعتها من جذورها...


بل كأن المطر نسيها.


حلمٌ مات من الفقر.


وحلمٌ مات في الطريق.


وحلمٌ حملته طائرة إلى بلدٍ بعيد.


وحلمٌ بقي هنا، لكنه فقد القدرة على الكلام.


كان أحدنا يريد أن يصبح طبيبًا.


فصار يعرف أسماء الأدوية لأنه احتاجها.


وكان آخر يريد أن يصبح مهندسًا.


فصار مهندسًا للنجاة؛ يعرف كيف يجد مخرجًا من بيتٍ يهتز.


وكانت فتاة تحلم أن تكون معلمة.


فصارت تعلم إخوتها كيف ينامون حين يخافون.


هكذا تغيّرت المهن في قاموس أحلامنا.


لم نعد نريد أن نبني ناطحات السحاب.


صرنا نريد فقط سقفًا لا يسقط.


لم نعد نحلم بالسفر حول العالم.


صرنا نحلم بطريقٍ لا ينتهي عند نقطة تفتيش.


لم نعد نطلب مدينةً تشبه المدن التي رأيناها في التلفاز.


صرنا نطلب مدينةً لا تعرف القذائف طريقها.


حتى الحب...


صار له موعد مع الحرب.


كم من قلبٍ كتب رسالة ولم يرسلها؟


كم من شابٍ كان ينتظر أن يعود ليتزوج، فعاد إليه خبرٌ لا هو؟


كم من أمٍّ خبأت ثوب ابنها في الخزانة، ثم بقي الثوب ينتظر جسدًا لن يعود؟


كم من أبٍ ظل يفتح الباب كل مساء، كأن الأبواب تستطيع أن تعيد الموتى؟


يا شباب اليمن...


نحن لم نكن وقودًا لأننا أحببنا الحرب.


كنا وقودًا لأن أحدًا قرر أن يجعل من أعمارنا حطبًا لنارٍ لم نشعلها.


أخذوا أجمل ما فينا...


السنوات التي كان ينبغي أن تكون لنا.


حوّلوا أعمارنا إلى أرقام.


وحوّلوا أحلامنا إلى خسائر جانبية.


وحوّلوا الوطن من كلمةٍ تُقال بحب إلى سؤالٍ موجع:


أين هو؟


أين اليمن الذي كنا نعرفه؟


أين الشوارع التي كانت تعرف خطواتنا؟


أين أصوات الباعة في الصباح؟


أين جلسات المساء؟


أين الأصدقاء الذين كان المستقبل يتسع لنا جميعًا؟


أين ذلك المستقبل الذي وعدونا به؟


ربما لم يضع المستقبل...


ربما نحن الذين دُفنّا تحته أحياء.


ومع ذلك...


ثمة شيءٌ عجيب بقي فينا.


شيء صغير، عنيد، يشبه شمعةً نسيت الحرب أن تطفئها.


ما زلنا نحلم.


نعم...


رغم الخراب، ما زلنا نحلم.


لأن الحلم في اليمن لم يعد رفاهية.


صار فعل مقاومة.


حين تحلم ببيتٍ آمن، فأنت تقاوم الحرب.


حين تفتح كتابًا، فأنت تقاوم الجهل.


حين تزرع شجرةً في أرضٍ أحرقتها القذائف، فأنت تقول للخراب: لن تكون أنت النهاية.


وحين تحب اليمن رغم كل ما فعله الزمن بها...


فأنت تضع يدك على قلب وطنٍ يحتضر وتقول له:


لا تمت.


ليس بعد.


فنحن لم نكبر لنكون جنودًا في حروب الآخرين.


لم نولد لنكون أسماءً على جدران المقابر.


لم نأتِ إلى هذه الدنيا كي نُحصى في نشرات الأخبار.


نحن الذين كان يفترض أن نبني.


أن نخترع.


أن نكتب.


أن نسافر ثم نعود.


أن نملأ الجامعات والمختبرات والمصانع والمكتبات.


أن نأخذ اليمن من يد التعب ونضعها في يد المستقبل.


لكن المستقبل...


يا سبيستون...


كان ينتظرنا عند آخر الطريق،


فوجدناه واقفًا بين الأنقاض،


ينفض الغبار عن كتفيه،


ويسألنا:


أين تأخرتم؟


فلم نعرف ماذا نقول.


كيف نشرح للمستقبل أن الحرب كانت أسرع منا؟


كيف نقول له إننا كنا في الطريق، لكن الطريق احترق؟


كيف نشرح له أن أحلامنا لم تمت لأنها كانت ضعيفة...


إنما لأنها كانت صغيرةً جدًا على أن تنجو من حربٍ كبيرة؟


ومع ذلك سنأتي.


سنأتي يومًا...


لا كوقودٍ لحرب،


بل كرمادٍ يعرف كيف يتحول إلى أرض.


سنأتي بأيدٍ لم تعد تعرف البندقية، إنما تعرف الكتاب والبناء والزراعة.


سنأتي بأطفالٍ لم يسمعوا القذيفة إلا في كتب التاريخ.


سنأتي بوطنٍ لا يسأل أبناءه إلى أي جهةٍ ينتمون قبل أن يمنحهم حق الحياة.


سنأتي بيمنٍ لا تكون فيه النجاة بطولة.


ولا السلام حلمًا مستحيلًا.


ولا المستقبل وعدًا مؤجلًا.


فأخبروا أطفال اليمن...


حين يقولون لهم:


أنتم شباب المستقبل...


لا تخيفوهم.


قولوا لهم إننا كنا قبلهم.


وإننا حلمنا كثيرًا.


وإن الحرب سرقت منا أشياء لا تُستعاد...


لكنها لم تستطع أن تسرق آخر شيءٍ بقي لنا:


إيماننا بأن الغد يمكن أن يكون مختلفًا.


وقولوا لهم أيضًا...


إن كبروا يومًا،


فلا تجعلوا أحدًا يقنعهم بأن البندقية قدرهم.


فهم ليسوا وقودًا.


ليسوا أرقامًا.


ليسوا ظلالًا تمشي خلف رايات الآخرين.


هم أبناء اليمن.


وهم، وحدهم،


من يستحق أن يكتب نهاية هذه الحكاية.


أما نحن...


فنحن أولئك الأطفال الذين قيل لهم:


أنتم شباب المستقبل.


وقد كبرنا فعلًا...


لكننا ما زلنا، حتى هذه اللحظة،


نبحث عن ذلك المستقبل


بين ركام الأمس.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology