كسر الايهام والميتا رواية في (البتران) للأديب والأكاديمي (د. حيدر علي الاسدي)



ناظم علي المظفر/ البصرة 

كاتب وصحفي 

رواية (البتران) للأديب والاكاديمي العراقي البصري (د.حيدر علي الاسدي) هي رواية قصيرة كتبت بحبر من الدمع والدموع فهي تتحدث بقصة سردية إنسانية عن قرية في قضاء شط العرب (البصرة/ جنوب العراق) اسمها (جرف الملح) تحول اسمها بالعرف الاجتماعي الى (البتران) لتعرض غالبية من سكنوا هذه القرية الى بتر اعضائهم نتيجة بحثهم عن الخردة ومخلفات الحروب بعد الحرب الاقتصادية على العراق مطلع التسعينات بحيث اجبر المواطن العراقي للبحث عن الخردة في مخلفات الحرب في البر الفاصل بين الجانبين الإيراني والعراقي ، والاسدي في هذه الرواية وبطريقة كسر الايهام والميتا-رواية يقدم لنا الشخصيات بطريقة مأساوية فجائعية يخلط بين ماهو تاريخي وماهو خيالي في المرجعيات والمفردات والاحداث فيقدم لنا ذاكرة موجعة تبحث عن عدالة لحاضرها الناشئ نتيجة تلك التراكمات الماضوية (الحرب ، الموت المجاني، سلطة الدكتاتور، الحرب الاقتصادية ، الفقر المدقع، الفضاء العام الضيق بالتعسف ومصادرة الحريات والحقوق، وصورة الموت التي تخيم على تلك القرية وتحيلهم الى أجساد ناقصة الأعضاء او متشظية في بر لا احد يكترث لهم او ينتبه لمعاناتهم حتى اللحظة! ان الاسدي تلاعب بالزمان في هذه الرواية من حيث التقطيع والتقديم والتأخير وتداخل الأزمنة حتى الراهنة منها ليقول لنا مسطور مفاده ان دلالة المعاناة والموت مازالت مستمرة حتى اللحظة، ومن خلال شخصية (مُحْسِنُ إِيڤَا) ينطلق الاسدي لتأسيس بؤرة الاحداث ، ودلالة اسم الشخصية الرئيسة تحيلنا الى ايقونة (شاحنة إيفا IFA) المعروفة في الأوساط العسكرية العراقية قبل 2003 ، فالأسدي يستعرض في الفصل الأول من روايته مالات حربي الثمانينات والتسعينات وما خلفتهما على الحرب من معاناة وبؤس وسوداوية افضت خلالهما الى ابتلاع الأرض في شط العرب للعديد من الألغام والقنابل التي تحولت فيما بعد الى احد اهم أسباب موتهم او تعرضهم للبتر، حتى ان الاسدي وفي لفتة إنسانية يهدي روايته في المقدمة الى (ضحايا انفجارات الألغام والقنابل المدفونة تحت الأرض) ويقتبس الاسدي في افتتاح روايته جزءًا من مذكرات محسن ايفا الجندي المطوع بقوله : ( ليست الحروب هي التي قتلتن ، بل تلك الايام التي ستجي بعد الحرب) وهنا يتداخل الفعل الواقعي بالمخيلة للسارد ، فلا اعتقد ان محسن ايفا هذا شخصية معروفة للعامة بحيث تكون لديه مذكرات معروفة وانما اجترح الاسدي هذه المذكرات لتفعيل واقعية الشخصية واثرها السيكولوجي في المتلقي بخاصة انه محور الرواية هذه ، الرواية فيها لغة عالية جداً تقترب احيانًا من الشعرية المفرطة بالمفردة والدلالة بحيث تشعر انك تحلق بلغة سردية جمالية تحيل الى معان وموضوعات خارج الرواية بخاصة تلك النصيات التي تتعلق بالوصف وهو الطابع الغالب على الرواية فالأسدي هنا لديه الوصف هو الأساس لانه يعلق على التاريخ ويقدم وجهات نظر لشخصيات أصابها التضييق والخناق وأصبحت غير قادرة على التحرك الديناميكي الفكري للخروج من معطف البؤس والسوداوية ليجيء الروائي هنا متدخلًا لإنقاذ تلك الشخصيات القابعة في قرية البتران والراضية بهذا الموت المجاني الا ان الاسدي ساعد من خلال تكويناته السردية ساعد شخصياته للهروب من افقها الضيق هذا ، فكان محرضا لبعض تلك الشخصيات لان تهرول او تركض خارج القرية كما حصل مع (جعفر) او كما حصل مع عصام الأسود الذي بدت شخصيته يشوبها بعض الغموض في القرار ولكن أي قارئ لهذه الرواية سيدرك ان الاسدي كأنه معاصرا لحقبة الثمانينات والتسعينات رغم انه من تولد 1987 ولكنه يتحدث بتفصيلات دقيقة جدا جدا كانت تحصل في ذلك الوقت ويبدو انه قد استمع جيدًا لقصص جنود الحرب في تلك الحقبة او قرأ التاريخ المتصل بتلك الفترة الزمنية بدقة عالية، فهو تحدث عن مرارة الجندي العراقي في تلك الحقبة وانعكاس تلك المرارة على الحياة الاجتماعية في قرية البتران ، ويعتمد الاسدي في روايته هذه أساليب الميتا سرد بطريقة جمالية يتوزع من خلالها الحداث الرئيسي على الاحداث الفرعية (الحكايات المتلاصقة والمتناسلة) ويعود ليجمع شتات تلك العلاقات المتشظية في بوتقة مرويات الجندي المطوع محسن ايفا، كما تحضر ذاكرة المكان بدلالة قصدية مميزة (الجبهة/ مقهى علي بابا، المقبرة، قرية جرف الملح، النهر، شارع بشار.....) وكذلك طقسيات المجتمع العراقي والمتصلة بتاريخهم وعاداتهم واندماجها ضمن السلوك المجتمعي وتحركها بفضاء المعاناة التي المت بالفرد العراقي في البصرة ولاسيما شط العرب ( قرية البتران) كذلك للمجنون دلالته فهو الفيلسوف وهو الصوت المضمر الكاشف عن تعرية الاخر ، في كل الحوارات التي قدمها الروائي على لسان الشخصية المجنونة فهو بما يشتمل من غموض وغرابة في سلوكه الفنتازي الا ان ما يقوله يحمل ملامح ودلالات فلسفية واحيانا ناقدة للسلطة ورجالها وتعرية وتحريض ضد هذه السلطة وضد الموت المجاني الذي يحيط بالفرد في تلك القرية الصغيرة، فقد جاء في رواية البتران : ((لماذا انت بهذا العمر ودون اولاد - اخاف ان انجب المزيد من الموتى والخطب للحروب المقبلة، وهذا المجنون الذي كنا نسميه بالفيلسوف الذي اجنه الحب كان كلما مات احدهم في انفجار لغم  - هم ابناء الارض منها واليها يعودون، كان يقول لي بسخرية مفرطة والحروف تتطاير من فمه بصورة بطيئة وناقمة : ان ثمة سؤالا واحدا يتردد في راسي كيف يعانق المبتورون امهاتهم وزوجاتهم واطفالهم؟/ 92) وكذلك ( حيدر الاخرس) كان خرسه ناطقًا بالاعتراض والتحريض وكأنه صم احتجاجي كبير على ما يجري ، كما ان الجبهة مكان دنيء وضمن الأماكن المعادية في فلسفة هذه الرواية بما يشمله من اكراه وتعسف للجندي العراقي الذي اقتيد عنوة الى الموت المجاني ، والنهر في دلالة هذه الرواية هو المكان الذي يغتسل منه الناس من اوجاعهم ويبكون داخله دون ان يراهم احد هذا البكاء هو اعتراضية خجولة على سلطة الموت المجاني (الذي يتسببه الديكتاتور ونظامه ورجاله) والحروب الدائرة لسنوات حول المواطن الذي لا حول له ولا قوة، وظهور شخصية عبدالله الصحفي في الفصل الرواية هو محاولة المثقف العراقي لتوثيق المأساة العراقية كونه شاهدا حيًا على تلك المأساة التي عاشها الفرد العراقي ولكن يبدو ان المثقف وفقا لدلالة شخصية عبدالله هو الاخر ناله ما ناله من تعسف السلطة والحروب وبدليل اختفاء عبدالله وتوقف شخصيته عند الفصل الأول حيث نالته مرارة الجبهة كما بقية الجنود، احد المجانين كان يقول ( اجو...اجوكم ..راح يجونكم) كانت عبارة المعتوه هذه كفيلة بإدخال الرعب في قلوب جميع من سكن البتران ولم يتجرأ احد يوما على ان يسأله عمن هم الذين سيأتون )) كانت هناك بعض الحوارات بالمحكيات الشعبية لانها تتناسق وطبيعة التباين في الشخصية العادية من القاع العراقي فلا يمكن لأنسان بسيط جدا ان يأتي حواره بلغة فصحى بلاغية يتنافى مع طبيعة انتماءه الاجتماعي وخلفياته الفكرية في متن الرواية السردية ، لذلك تأني هذه المحكيات الشعبية في حوار الشخصيات ولكنها جاءت في الكثير من الأحيان ابلغ حتى من الحوار الفصيح واكثر تشويقًا ودلالة وتاثيرا في القارئ، كما في المسطور الحواري الاتي لاحد أبناء البتران : ((صرت استحي اطلع ايدي لان عيون الناس تنهش بي ، يد اصطناعية لم تمتد للاستجداء ،لكنها امتدت للموت من اجل لقمة عيش كريمة) والاسدي في هذه الرواية رغم مرارة احداثها والمها والدموع والدماء الكبيرة التي ذرفت وسفكت الا انها قدم لها العديد من المفردات التراثية وبخاصة في شخصية ام جاسب المراة الحنونة التي يحبها سكان القرية ومنزلها مفتوح للجميع (حب الماء الزير/ اجادتها في طبخ الهريسة وتوزيعها يوم العاشر من محرم/ خبزها بتنور الطين/محروك اصبعه / الشعفة) وهذه الاكلات يعرفها من لاكته مرارة الحرب وفقر التسعينات)؛ كما ان حديثه (أي الروائي حيدر الاسدي)  في هذه الرواية وفي الفصل الثاني عن جرف الملح وكيف تبدلت الى (البتران) بعد ان بدلت التمور والنخيل والنهر والأراضي الخضراء بالقنابل والصواريخ والالغام تحولت الى البتران بدلا من البساتين الخضراء وهي دلالة إحلال (الموت) بدلا من (الحياة) فالأهالي هناك باتوا يبدلون قرص الخبز باللغم وما احزنها من مأساة، فهم صاروا يحصدون الألغام بدلا من التمور! وان شخصية (أبو صائب) حكواتي المدينة يمثل صوت الحكمة والاعتدال والتحفظ والوسطية في هذه القرية فهو العارف بكل تفصيلات القرية وهو الشاهد الحكيم على الموت الذي أصاب هذه القرية بأكملها ، وكان شاهدا حيًا على كل تلك المأساة وهي شهادة تمثل دلالة الاحياء الذين خرجوا من هذه القرية دون ان يصبهم أي شيء وهم القلة ، فلعنة القرية تطارد من سكنها كل من دخلها لم يخرج منها سليمًا الا نادرًا ، وفي وصفيات الاسدي للحظة الانفجارات ثمة مرارة كبيرة ومشهدية حزينة للحظة الانفجار ومعاناة الشباب في البتران من فقدان اعضائهم نتيجة بحثهم عن لقمة العيش الكريمة ، فهو يقدم صورة مجازية ودلالية بليغة بإحالات صورية وبلغة شعرية في نقل وصفيات مشاهد لحظة الانفجار والتشظي! كما ان فضاء مدينة البتران يتحول من عموميته الرحبة (المكان المفتوح) الى مكان معادي طارد للإنسان ما عدا النهر ورمزيته فالمكان اصبح وسيلة الموت لسكان تلك القرية ببيوتهم المتهرئة تشعر وكأنهم مضطرين لإبدال اعضاءهم بلقمة العيش او الموت وكأنهم يسخرون من هذا الموت ومن الحرب ومن كل شيء واقعي آنذاك ، فالاسدي استعرض في محكيات جانبية قصصا عن المعاناة العراقية في تلك الحقبة وحتى ما بعد 2003 ومنها التغيرات السيسولوجية التي ضربت المجتمع نتيجة التأثيرات الاقتصادية ومالاتها على الفرد العراقي بالتحديد من تغيرات سلوكية واضحة والاضطرار للعمل بأمور عدة من اجل توفير لقمة العيش ،  مع الإشارة للتلوثات جراء الحروب والولادات المشوهة لحديثي الولادة ، والسخرية المفرطة والمفارقة حاضرة في هذه الرواية ( بكاء احدهم على خروفه الذي تشظى بلغم، دفن احدهم لاحد أعضائه وزيارته بين فترة وأخرى كـأنه ميت، معاودة المصابين للعمل ما ان يتماثلوا للشفاء حتى وان كانوا دون اعضاءهم!) او كذلك (ذهاب نجم المعوق يوميا الى مسطر العمالة رغم يقينه بان لن يستأجره احد وهو بهذا الحال! اما النهر حياة في هذه الرواية وهذه القرية كما يقول الروائي : ((في اخر  الليل وحده صوت النهر كان يعيد لهم الامل بوجود الحياة واحيانا بعد يوم مرهق في عمل البحث عن الخردة كانوا يعودون للنهر يغطون فيه عميقًا تشعر كأنهم يغتسلون من ذنوب لم يقترفوها بعد!)) ص81. وكذلك في المسطور الاتي : (توغل خروفه بالحقل البري وكان يهرول وراءه بهستيريا أتذكر فقط كيف جاء بذلك الخروف في طست مملوء من لحمه المتشظي... أتذكر انه بكى عليه اسبوعًا كاملًا فقد كان يعتقد ان هذا الخروف جزءُ من عائلته وحينما كنا نضحك لغرابة الموقف أمطرنا بسيل من الكلمات القاسية والفشار بعدها ضاع صوته في فمه وأبتلع صرخته) (ص85). (شخصية مؤيد الخنيث / وبتر عضوه الذكري). 



محسن ايفا رغم صلابته في خوض الحروب الا ان ثمة سؤالًا ابكاه (( لماذا اصبحت ضعيفا اكثر مما ينبغي ياعم محسن . تجمدت في مكاني وبكيت لاول مرة بحياتي انا الذي لم تبكني اعتى الحروب والهجمات واقسى مشاهد الموت وبدت لي ان الحياة قد توقفت تماما في البتران/ص86). ويقول الاسدي في نهايات الرواية (( كان آخر شيءٍ قد رأهُ محسنُ إيڤا في البتران هو مشهد قطع ما تبقى من النخيل وتحويلها إلى سقوفٍ للمنازل ، كان شاهدًا على موت قرية بأكملها فلم تعد البترانُ تلك القرية التي عرفها بالأمس ، فلم تمت البتران في الحرب بل ماتت بعد انتهاء الحرب .هاجر الكثير من أبناء القرية ووفد آخرون، وبقيت ذاكرة الموت تحيط بأسوار القرية وأزقتها ومنازلها ... الاشجار السامقة غدت تحترق في تنانير الطين ... بدت القرية من بعيد كمقبرة ورماد الذكريات يحكي عن السنين التي احرقت الحرب خلالها هذه القرية ، كانت ذرات ترابها تتناثر مع الريح، والخطوات تبتعد عن اطلال البتران))(ص95) . ولم تنتهي احداث الرواية بعد اذ جاء في نهايتها : ((أخر حوارٍ دار بيني وبين صديقي الجندي المطوع (باسم عبدالحي) حينما قال لي أين تقع البتران قلت له : حيث تنتهي الحرب...تلك هي البتران ! في احدى الصباحات كان محسن إيڤا يطالع صحيفة محلية كتبت مانشيت عريض : "تحتاج الدولة العراقية إلى أكثر من 50 عامًا لرفع ما تبقى من ألغام الحروب وذخائرها المنتشرة بمناطق جنوب البصرة وشرقها" أي عام 2068 قال مع نفسه وهو ينفث دخان سيجارته وكأنه يحرق ما تبقى من ذاكرته او يحرق حسرة في صدره : سنبقى نموت حتى عام 2068؟!)) 

لتأتي النهاية الصادمة المفاجئة والالتواء الحبكي في خاتمة الرواية  : ((ما بين تلك الفوضى قد وجد عصام الأسود مسودة رواية في خربة مهجورة من قرية البتران كان عنوانها (جرف الملح او قرية البتران) عبارة عن أوراق مبعثرة مكتوبة بدفتر ملاحظات صغير وبقلم رصاص ذيل باسم محسن إيڤا وكانت حول الرواية ثلاثة جثث أحداهما لمحسن إيڤا والجثتان الأخريان تعرف عليهن احد وجهاء مدينة البتران واسمه (الحكواتي أبو صائب) قال أنهما لمجنونان من مجانين المدينة ، اللذين كان يجالسهم محسن إيڤا)) وبعد اسطر يقول الروائي الاسدي : ((لكن الحكواتي ليلة الجمعة الماضية كان قد قص لبعض رواد مقهى القرية أنهم دفنوا جثتين في تلك الليلة ..كانت لاثنين من مجانين قرية البتران!)) ليفتح التأويل والتفسير على مصراعيه في نهاية محسن ايفا ، هل مات ؟ هل هرب؟ هل كان موجودًا بالأصل في قرية البتران؟ فالأسدي اغلق اسطر صفحات الرواية بالمسطور الصادم الاتي : ((كانت أواخر عام 2026 حينما زارت قرية البتران منظمة إنسانية أممية ونشرت قوائم قتلى حربي 1980 و1990 وكان الرقم (00964) في القوائم يعود لاسم (محسن كريم محسن) ووضع بين قوسين بخط غامق (محسن إيڤا).) فهل مات محسن ايفا قبل سنوات وكانت هذه مجرد استرجاعات ام أحلام ؟ ام حكاية مسرودة على لسان الروائي الذي كان يمزج بين شخصيته وبين شخصية السارد العليم (محسن ) في هذه الرواية مما يوحي للقارئ انه شريكًا في هذا الوجع اليومي لأبناء تلك القرية ، لان اخر كلمات في الصفحة الأخيرة كتب الروائي (لم تنتهِ الحكايةُ بعدُ) وعلى قفا غلاف الكتاب كتب الاسدي مسطور غريب بعض الشيء وفيه تلاعب بالزمان وكأنه يوحي لديمومة ما حصل فهو يتحدث عن لحظة راهنة جدًا في الاحداث :) (2026 يَوْمَ تَسَلَّمْتُ فِيهِ نُسَخًا مَطْبُوعَةً مِنْ رِوَايَةِ "الْبُتْرَانِ"، بَعْدَ أَنْ تَعَرَّفْتُ عَلَى صَاحِبَةِ دَارِ النَّشْرِ وَخِلَالَ نَشَاطٍ ثَقَافِيٍّ عَرَبِيٍّ، عَلِمَتْ أَنَّنِي أَسْكُنُ بِالْقُرْبِ مِنْ تِلْكَ الْقَرْيَةِ. قَالَتْ لِي إِنَّ صَاحِبَ هَذِهِ  الرِّوَايَةِ كَانَ قَدْ أَرْسَلَهَا لِلنَّشْرِ وَلَمْ يَتَسَلَّمْ نُسْخَةً مِنْهَا. طَلَبَتْ مِنِّي إِيصَالَ تِلْكَ الرواية، وَلَمْ تَذْكُرْ لِي مَا يَدُورُ فِي تَفَاصِيلِهَا. فِي الطَّرِيقِ الَّذِي امْتَدَّ لِيَوْمَيْنِ إِلَى مَدِينَتِي، كُنْتُ قَدْ أَكْمَلْتُ قِرَاءَةَ الرِّوَايَةِ الصَّغِيرَةِ. قَرَّرْتُ حِينَهَا أَنْ أُعِيدَ طِبَاعَتَهَا، بَعْدَ أَنْ فَشِلْتُ فِي الْعُثُورِ عَلَى صَاحِبِهَا لِأَكْثَرَ مِنْ أُسْبُوعَيْنِ. كُلُّ مَنْ سَكَنَ "الْبُتْرَانِ" لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يَوْمًا شَخْصًا اسْمُهُ "مُحْسِنُ إِيڤَا" أَوْ "عِصَامُ الْأَسْوَدِ".) لا يوجد غرابة وتشويق اكثر من هذه النهاية التي تفتح التأويل والتفسير عن شخصية محسن ؟ هل كانت شخصية حقيقية ؟ او خيالية ؟ هل هي شخصية تتصل بذاكرة الرائي؟ ام هي شخصية قد ماتت وبقيت في الذاكرة وتم استرجاع شريط ذكرياتها بهذه الرواية المهمة والمميزة والتي تدين الحرب ومالاتها بصورة جمالية سردية وحكايات فرعية مميزة ، تستحق هذه الرواية القراءة والتحليل النقدي الاكاديمي والابداعي لأنها كتبت بأسلوب وطريقة سردية جميلة يتداخل فيها كل شيء فهي نقل الوجع بصور جمالية ودلالات مفتوحة التأويل والتفسير والاحالة.




إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology