حنين إلى شاي الحطب

 


عزمي صالح الدعجري 


 البحث عن الدفء الإنساني في زمن التدفئة المركزية


لم يكن شاي الحطب مجرّد شرابٍ ساخن نتناوله في صباحات الشتاء، بل كان حكايةً صغيرة تجتمع حولها القلوب، وطقسًا يوميًّا يمنح الحياة مذاقًا لا تصنعه أفخر أنواع الشاي. كانت النار تتوهج تحت إبريقٍ أسود، ويتصاعد الدخان ببطء، حاملًا رائحة الحطب إلى زوايا المكان، فيما تتعالى الأحاديث وتنساب الضحكات كأنها جزء من طقطقة الجمر.


هناك، حول الموقد، لم تكن المسافات تُقاس بالأمتار، بل بما بين القلوب من مودة. يجلس الكبير فيحكي، وينصت الصغير كأنه يفتح نافذة على زمنٍ لم يعشه، وتتناقل الأيدي أكواب الشاي في بساطةٍ لا تعرف التكلّف. لم يكن أحد يسأل عن قيمة الجلسة، لأن قيمتها كانت تُقاس بما تتركه في النفس من طمأنينة، وبما تمنحه للروح من شعورٍ بأنها ليست وحيدة في مواجهة الحياة.


ثم تغيّرت الأشياء. دخلت المدافئ الحديثة بيوتنا، وصارت الحرارة تصل بضغطة زر، واختفت الحاجة إلى جمع الحطب وإشعال النار وانتظار الماء حتى يغلي. كسبنا الراحة، واختصرنا الوقت، لكن شيئًا خفيًّا أخذ يتسلل من بين أيدينا؛ شيئًا لا يظهر في فواتير الكهرباء، ولا تقيسه أجهزة الحرارة.


صرنا نجلس في غرفٍ دافئة، بينما تتسع المسافات بيننا. لكلٍّ شاشة تستأثر بانتباهه، ولكلٍّ عالمٌ صغير يغلق عليه بابه، حتى غدت المجالس التي كانت تضيق بأهلها تتسع لصمتهم. نجتمع تحت سقفٍ واحد، لكن أرواحنا تتوزع في جهاتٍ شتى، ونبحث في هواتفنا عن أخبار البعيدين، فيما يغيب عنا وجهٌ قريب ينتظر كلمةً صادقة أو سؤالًا ينبع من القلب.


وليس الحنين إلى شاي الحطب حنينًا إلى الفقر أو مشقة الماضي، ولا دعوةً إلى رفض ما جلبه الزمن من راحة؛ إنما هو اشتياقٌ إلى تلك التفاصيل التي كانت تمنح الأشياء البسيطة قيمةً كبيرة. نحن لا نفتقد النار وحدها، بل نفتقد من كانوا يجلسون حولها، وأولئك الذين لم يكونوا يحتاجون إلى مناسبة كي يزورونا، ولا إلى موعدٍ مسبق كي يطمئنوا علينا.


كم نحتاج اليوم إلى أن نعيد إشعال تلك النار في داخلنا؛ أن نمنح أحاديثنا وقتًا، ولقاءاتنا صدقًا، وأحبتنا حضورًا لا تسرقه العجلة. فليس الدفء أن ترتفع حرارة المكان، بل أن يجد الإنسان قلبًا يأويه حين تبرد روحه، ويدًا تمتد إليه دون أن يطلب، وصوتًا يسأله عن حاله ثم ينتظر الإجابة حقًّا.


لعلّ سرّ شاي الحطب لم يكن في نكهته المدخّنة، بل في الأيدي التي أعدّته، والوجوه التي تقاسمته، والحكايات التي نضجت على مهلٍ بجوار النار. وقد تتبدل المواقد، وتتطور وسائل التدفئة، لكن الإنسان سيظلّ محتاجًا إلى ما لا تستطيع الآلات منحه: دفءٍ يُشعره بأنه محبوب، ومكانٍ يشعر فيه بأنه ينتمي، وقلوبٍ لا تكتفي بأن تجلس بقربه، بل تقترب منه حقًّا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology