بقلم شاهر خضرة
حين طلبتُ إلى ريما فجر بعريني أن تعرّفني بنفسها، أخذتني إلى الأصوات التي رافقت نشأتها. كان الشعر يمر في مناهج الدراسة طلبا للنجاح، ثم وجدت إليه طريقا آخر في الرابعة عشرة، مع أغاني أميمة خليل والشيخ إمام. وكان لأغاني مارسيل خليفة أثر في نمو شخصيتها الثائرة وقدرتها على مواجهة ما يعترضها. ومن الغناء تعرّفت إلى قصائد محمود درويش وأحمد فؤاد نجم، وإلى نزار قباني في "بلقيس"، وإلى عنترة. أعجبني أن تحكي اقترابها من الشعر بهذه الطريقة؛ تخيلتُ الكلمات تصل محمولة على اللحن، وتستقر في وجدان فتاة سيجد ما تسمعه يوما طريقه إلى عبارتها.
وفي البيت كان للصوت امتداد آخر. أبوها شاعر شعبي معروف في منطقته، تسمع منه الزجل والعتابا، وتذكر قصيدة رثى بها أخته الوحيدة فأبكت كل من سمعها. ومن أمها تعلمت أن الخير غاية الإنسان، ومن أبيها الشجاعة وقول كلمة الحق. حتى اسمها جاء باختيار أخيها الكبير بعد انتشار أغنية فيروز "يَلّا تنام ريما". ورافقت ذلك كله ألفة الشجر والأرض والوديان والينابيع الصافية. ثم كتبت لي: "عندما كبر الوجع وكبرت الأحلام بدأت أكتب". وجاء فقد الأم ليزيد حاجتها إلى الكتابة، واتسع قلمها لمشاعر الآخرين وفقرهم وظلمهم وأحلامهم بالتغيير والحرية.
وصلني هذا التعريف بعدما كنت قد قرأت الديوان وتوقفت عند مشاهده. وحين عدت إلى تلك المشاهد، أحسست بقرب المسافة بين ما روته عن نشأتها وما احتفظت به القصائد من أصوات. صرت أعرف شيئا عن الأذن التي تلقت الغناء، وعن البيت الذي كان فيه الأب يقول العتابا، وعن الأم التي ظل غيابها يدفع الكلام إلى الورق. أخذت هذه المعرفة مكانها إلى جوار قراءتي، وبقيت التفاصيل التي استوقفتني أول مرة تقودني في الصفحات.
استوقفني في ديوان ريما فجر بعريني مذياعٌ قديم. بقيتُ قربه وقتا، أراقب أبا يبدّل المحطات، وطفلة يتبدّل العالم في خيالها كلما تحركت أصابعه. أعرف ذلك الشرود الذي تأخذنا فيه أصوات بعيدة ونحن جالسون في أماكننا؛ نسمع أغنية فنذهب معها، وتُذاع أخبار الحرب فنجدها قد وصلت إلى جوارنا. والمذياع الذي عثرتُ عليه في هذه الصفحات أعاد إليّ إحساسا بقدرة الأشياء الصغيرة على الاحتفاظ بأعمارنا. يكفي أن يلمسها الشعر حتى تبدأ بإخراج ما خبأته، صوتا بعد صوت، ووجها بعد وجه.
من هناك أحببتُ أن أقترب من هذا الديوان. تركتُ العنوان ينتظر قليلا، وتبعتُ الطفلة التي تحملها الأصوات بعيدا عن المكان الذي تجلس فيه. ثم وجدتني أتنقل معها بين أصوات أخرى: نَفَس أمّ تحاول الابنة التقاطه، وصوت عتابا تتدثر به في قسوة الأيام، وحبيب تقرّب القصيدة حضوره من النافذة وعمل الرئتين. أخذتني هذه الأصوات إلى بعضها، وكانت كل واحدة منها تحمل حاجة مختلفة؛ طفلة تريد أن تتخيل، وابنة تريد أن تستعيد، وامرأة تريد أن تجد هواء يكفيها لمواصلة الحياة.
في "من هناك كبرت" يظهر الشيء أولا ببساطته التي أحبها:
"مذياع مربع الشكل
يستخدمه أبي كمخدّة
تحت أذنه اليسرى
وبالجهة الأخرى
مطرة ماء بلون السماء"
/"من هناك كبرت"، ص٣١–٣٢/.
أرى الأب منصتا ، قريبا من الصوت إلى هذا الحد. المذياع تحت أذنه، والماء إلى الجهة الأخرى، والطفلة تلتقط تفاصيل ربما لم تكن تعرف أنها تحفظها لعمر قادم. تعجبني هذه الهيئة الحميمة للاستماع؛ الأخبار والأغاني تقترب من رأس الأب، وتصل إلى الصغيرة التي ستفتح منها جهات خيالها. حتى لون مطرة الماء له مكانه في المشهد. أجد زرقة السماء إلى جوار الأب، فيما تصل الجهات البعيدة من ذلك المربع المستقر تحت أذنه. هكذا تحتفظ الذاكرة بترتيب الحياة المنزلية، بألوانها وهيئاتها، وتعيدنا إليه بعد تغيّر أصحابها.
ثم تدق الساعة، وتأتي لندن من بعيد، وتجد الطفلة لنفسها وسيلة للوصول:
"أشرد
أتمرجح بعقارب الساعة
العملاقة
مطلة على العالم"
/"من هناك كبرت"، ص٣٢/.
هنا شعرتُ أن القصيدة بدأت تتحرك في جسدها الخاص. العقارب التي نعرفها منشغلة بحساب الوقت تحمل طفلة تتمرجح. أتابعها وهي تطل من ذلك العلو الذي صنعه السماع، وأفكر في طفولة تستطيع أن تتصرف بالعالم بهذه الخفة؛ تأخذ ساعة مدينة بعيدة وتجعلها أرجوحة. أسمع دقات الساعة، وأتبع شرود الصغيرة؛ كم يتسع المكان حولها وهي جالسة فيه، وكم تبدو الجهات قريبة حين يبلغها الخيال. وأجدني، وأنا أقرأ، أريد أن أبقى معها هناك، قبل أن يبدّل الأب المحطة مرة أخرى.
تأتي الأغاني، ويبتسم الأب، ويستجيب خيال الطفلة بما عنده من زينة وحركة. يمكنني أن ألمح المسافة الصغيرة بين ابتسامته وشرودها؛ كل منهما يستقبل الصوت على طريقته، ويعيشان معا لحظة واحدة تتوزع في إحساسين. عنده أغنية تطرب لها أذناه، وعندها هيئة تتخيل نفسها فيها، وما يوقظه الغناء من رغبة في التمايل. لكن الأصابع تواصل التنقل، وتحمل الموجة التالية شيئا آخر:
"ينقلب الحلم من أميرة بدوية مكحلة العيون
إلى صواريخ سكود
صواريخ باتريوت"
/"من هناك كبرت"، ص٣٤/.
تصل الصواريخ إلى الموضع الذي كانت تشغله الأميرة. هذا الانقلاب أوجعني أكثر مما كانت ستفعل فقرة طويلة عن طفولة الحروب. رأيتُ الخيال يُقطع وهو يعمل، ورأيتُ كيف تستطيع نشرة أخبار أن تتدخل في عمر صغير، فتترك فيه ما سيكبر معه. تواصل يد الأب تبديل الموجات، وتحمل الطفلة ما تسمعه من محطة إلى أخرى. وعندما تمتد القصيدة إلى سنوات المرأة التي تكتب، أحسّ أن الصغيرة ما زالت فيها، تحاول أن تسترد شيئا من اتساع العالم قبل أن تملأه الصواريخ.
بعد هذا المشهد صار انتباهي إلى الحواس أشد. أخذتُ أراقب العين والأذن واليد في الصفحات، كأن لكل منها ذاكرة تستيقظ حين يقترب الكلام من موضع وجعها. وحين وصلتُ إلى "أمي"، وجدتُ العين في أول البحث:
"كأني أحل لغز جريمة
اتسعت حدقة عيني
علِّي أرى آثار قدميك"
/"أمي"، ص٢٢/.
توقفتُ عند هيئة الباحثة. إنها تنظر إلى موضع العبور، تريد أثرا يمكن أن تتبعه. يترك رحيل الأم في الأشياء سؤالا يصعب احتماله: أين ذهبت الحركة التي كانت تملأ هذا المكان؟ أين اليد التي اعتدنا رؤيتها قريبة من الأكواب والثياب والطعام؟ نعرف خبر الغياب، وتظل العين تتفحص ما حولها كأن شيئا فاتنا وقد نجده إذا أطلنا النظر. لهذا فهمتُ اتساع الحدقة؛ إنها تحاول أن تأخذ من المكان أكثر مما يُظهره.
وفي فنجان القهوة تقترب الابنة من حركة تعرفها:
"فقط
أكرر عادتك في قلب الفنجان"
/"أمي"، ص٢٣/.
أشعر هنا بقيمة العادة التي تبدو صغيرة في حياة صاحبها، ثم تصبح واسعة بعد رحيله. كيف كانت تقلب الفنجان؟ بأي يد؟ وكم مرة رأتها الابنة تفعل ذلك من غير أن تنتبه إلى أنها تحفظ حركة ستحتاجها يوما؟ حين تكررها الآن، تستعيد يدها هيئة يد الأم وهي تمسك الفنجان وتقلبه. وأجد في هذا التكرار حنانا لا يحتاج إلى إعلان؛ تمنح الحركة المألوفة الابنة لحظة تقضيها مع أمها، ويحتفظ الفنجان بموضع يديهما في زمنين.
ثم تبلغ العين موضعا عجيبا في بحثها:
"توسعت حدقة عيني أكثر
لكي أسمع صوت
نفَسك مع كل
هزة ورقة شجر
وزقزقة ماء"
/"أمي"، ص٢٣/.
عدتُ إلى هذه الأسطر أكثر من مرة. العين تتسع لتسمع. أترك العبارة تفعل بي ما تريده، وأرى كيف يطلب الشوق من الحواس أن تتعاون كلها. شيء في حركة الورقة قد يحمل النَّفَس، وشيء في الماء قد يرده. أتخيل الابنة تطيل النظر في اهتزاز الورقة، وتصغي إلى الماء وهي تنتظر أن تتعرف فيهما إلى ما ألفته من أمها. يوقفني هذا الانتظار عند حاجة الصورة إلى جمع العين والأذن في طلب واحد؛ كم يجب أن نشتاق حتى نريد أن نسمع بأعيننا؟
وتنتهي القصيدة بسطرين:
"عادت الرؤية
وولدت مرتين"
/"أمي"، ص٢٤/.
تأتي الولادة بعد جهد البحث. أشعر أن الابنة استعادت شيئا من قدرتها على الوقوف في العالم، وقد مرّت في الفنجان والشجر والماء لتصل إليه. وأحاذر أن أمنح هذه اللحظة طمأنينة أوسع مما تحتمل؛ فما تراه الآن يحمل حضور أمها ووجع افتقادها معا. لكنها لحظة تستحق أن نقيم عندها: تنفتح العين التي أجهدها التقصي، وتجد الابنة في عودة الرؤية بداية عمر تستطيع أن تعيشه بما استعادته.
في "وشم أزرق" أجد الطفلة نفسها تبحث عن علامة أكثر التصاقا بالجسد:
"أيتها الحسناء
لا زال حبلي السري معلقا بك
طفلة تبحث عن وشمك الأزرق
لتتأكد أنك الحسناء
هكذا أخبرني أبي"
/"وشم أزرق"، ص١٧/.
الوشم هنا تفصيل أحب أن أراه قريبا، بلونه الذي تحفظه الذاكرة وتبحث عنه العين. تتأكد الطفلة من أمها بعلامة، ويصلها صوت الأب داخل هذا التعرف كأنه ما زال يدلها عليها. للعائلة في هذه الأسطر طريقة حميمة في حفظ وجوهها؛ حكاية يقولها الأب، وعلامة تحملها الأم، وطفلة تصغي وتواصل البحث بعد مرور السنوات. أما الحبل السري فيبقى معلقا في العبارة، وتبقى الابنة على صلة بمصدرها، مهما اتسعت المسافة بين عمر المرأة وحاجة الطفلة فيها.
وأحسّ، حين أضع هذا المقطع قرب "أمي"، أن البحث اتخذ حركتين: مرة تتجه الابنة إلى ما تركته الأم في المكان وفي عاداتها؛ ومرة تطلب علامة تستطيع أن تتعرف بها إلى جسدها. تلتقي الحركتان عند حاجة الابنة إلى التأكد مجددا. ما أوجع هذه الكلمة الصغيرة حين تتصل بالأم، ذلك الوجه الذي نعرفه قبل أن نعرف أسماء الوجوه. ومع ذلك يدفع الغياب إلى طلبه من أول الطريق، كأن الفقد يجعل المعرفة نفسها عطشى.
وحين قرأتُ "غياب" اتسع أمامي مقدار هذا العطش:
"كل الكلام
عن وطن
عن حرية
نضال وكلام
أناشيد وزغاريد منمقة
هي الكذبة
بدون وجودك يا أمي"
/"غياب"، ص٤٧/.
أسمع في المقطع غضب ابنة يضيق بها الكلام الذي يواصل الناس ترديده. العالم منشغل بأسمائه الكبيرة، وهي تريد وجها واحدا. أتوقف عند تعاقب الكلمات في أول المقطع ثم سقوطها دفعة واحدة أمام غياب الأم. يقال وطن، فتبحث عن الإحساس الذي كان يجعل هذه الكلمة دافئة. وتتعالى الأناشيد والزغاريد، فتفتقد الوجه الذي كانت تعرف في استقباله معنى الفرح. ومع استمرار الكلام في الخارج، تتسع المسافة بين ما تسمعه وما تستطيع أن تعيشه.
وأتذكر الابنة وهي تقلب الفنجان وتبحث عن الوشم الأزرق، فأحس بما كان يمنح هذه الكلمات الكبيرة قربها ودفأها. للأم موضع في الحياة تصله اليد وتطمئن إليه العين. هكذا دخلتُ إلى هذا المقطع؛ من افتقاد ذلك القرب الذي تستطيع الابنة أن تعيشه وتلمسه. وأحتاج أن أبقى مع غضبها حتى أسمع ما يطلبه. إنها تنادي أمها وسط أصوات كثيرة، وتريد أن تبلغها كلماتها ولو عجزت الأناشيد كلها عن مواساتها.
ومع ذلك، تستمر الأيام في طلب ما يعين على عيشها. أجد في "حزن" فعلا صغيرا يمنح التعب هدنة:
"وحين تقسو الأيام
أتدثر قليلا
بصوت عتابا حزين
وأنام"
/"حزن"، ص٢٨/.
أحب كلمة "قليلا" هنا. تعرف صاحبتها مقدار ما تطلبه من الأغنية. يكفيها دفء تستطيع أن تنام معه. ولصوت العتابا قرب خاص من هذا التعب؛ يحمل بحة بشرية تشعر معها أن أحدا سبقك إلى الوجع، وأن الحنجرة استطاعت أن تمنحه لحنا. وأتذكر ما روته عن أبيها الذي كانت تسمع منه العتابا، فأحس أن لهذا الدفء عمرا يسبق القصيدة. تدخل الأغنية إلى وحدتها بألفة صوت عرفته، وتمنح الجسد المتعب ما يعينه على النوم.
غير أن القرب نفسه قد يحمل قلقه. في "صباحات وردية" تتعثر الحركة بين الابتعاد والعودة:
"أهرب من دفئي بك
تأخذني مفارق الطرق
وأعود
هاربة
إليك
أدرك
أنك جناحي للهاوية"
/"صباحات وردية"، ص٢٩/.
أقرأ الهرب مرتين، وأتبع اختلاف جهته. في الأولى تبتعد المرأة عن دفء تعرفه، وفي الثانية يدفعها الهرب نحوه. أتخيل التعب الذي يصنعه هذا الدوران، حين يصير الشخص الذي نلوذ به جزءا من خوفنا أيضا. ثم يأتي الجناح والهاوية في عبارة واحدة، فأشعر بأن الحركة تظل معلقة بين ما يعد به الجناح وما ينتظر في الهاوية. تستطيع المتكلمة أن تسمي الخطر، وتظل محتاجة إلى صاحب الجناح. وما يبقى في نفسي من هذه الأسطر هو رجفة العودة مع الإدراك؛ أن نعرف ما قد يحدث لنا، ونجد أقدامنا تسلك الطريق نفسه.
وتأخذني الحاجة إلى الآخر إلى "نافذة"، حيث يقترب الحب من عمل الرئتين:
"كان التخاطر
سحريا
بين نافذة القطار
ورئتيك
رذاذ الأكسجين
أنعشني
لسنين"
/"نافذة"، ص٧٩/.
أرى نافذة القطار وأفكر في سرعة المشهد الذي قد يمر خلفها، وفي صلة تستطيع لحظتها أن تتسع داخل إنسان لسنوات. أتوقف عند الرذاذ الذي تختاره العبارة، وأحسّ بما يوحي به من قلة ولطف في الملامسة. يصل منه ما يكفي للإنعاش، ثم تمتد السنين في آخر المقطع كأنها تحفظ أثر تلك الأنفاس. وأجدني أبطئ أمام النافذة، أحاول أن أفهم كيف احتفظت بما عبرها كل هذا الوقت؛ قليل يصل، ثم يستمر أثره.
وعند الخاتمة تقول:
"وأنا
لا زلت
أبتسم
إلى قفل النافذة
وأتنفَّسك"
/"نافذة"، ص٨٠/.
يبقى القفل أمام العين، وتبقى الابتسامة. أقيم قليلا في هذه الصورة لأنني لا أعرف مقدار الرجاء فيها ومقدار التسليم. ما وصل من الآخر مستمر في الداخل، والقفل يعيدني إلى المسافة التي تفصلها عنه. وتستطيع القصيدة أن تترك المرأة هناك، في هذه الهيئة الدقيقة، مبتسمة إلى قفل النافذة، تتنفس حضورا ما زالت تحسه. وأنا أغادرها أحمل سؤالا عن تلك الصلات التي تستمر فينا بعد أن تضيق سبل الوصول إليها.
من المذياع إلى هذه النافذة قطعتُ مع الديوان مسافة من الإصغاء. وعند نهايتها عدتُ أتذكر ما روته ريما عن وصولها إلى الشعر محمولا على الغناء، وعن الكتابة حين لم تجد أذنا صاغية. أحسستُ أن الصوت الذي تلقته طفلة أخذ يبحث في قصائدها عمن يتلقاه، وأن الصور تمنح ما تعذر قوله هيئة نستطيع الاقتراب منها. بقي معي من هذا العبور سؤال صغير: كم مما نكتبه يواصل الإصغاء إلى أصوات بعيدة، وينتظر أن يجد صوته عند قارئ آخر.
وحين أصل إلى ختام "شعلة"، أقرأ:
"شكرا
للغة الأم
كم تحمل
من سحر وابتسامة
وتاء تأنيث
ثائرة"
/"شعلة"، ص٦٦–٦٧/.
أترك لهذا الامتنان أن يجاور ما قرأته. تستوقفني تسمية اللغة التي نبدأ بها حياتنا، وأسمع كلمة الأم فيها قريبة من صوت المرأة الذي تبعته في الصفحات. وأسمع في تاء التأنيث امرأة ما زالت تجد لنفسها قولا، بعد كل ما أثقل صوتها. وربما لهذا أعود إلى العين التي اتسعت لتسمع، وأتخيل أن بحثها يواصل طريقه في الكتابة. كلما قرأتُ هذه الصورة أحسست أنني مدعو إلى إطالة الإصغاء، وأن شيئا من نَفَس الأم الذي طلبته ابنتها صار يصل إلينا مع الكلمات.
•
تشرين الأول – أكتوبر 2026
شاهر خضرة
شاعر وكاتب سوري - ألمانيا
