قصيدة حين تنطفئ آخر مصابيح البقاء.
سأرحلُ...
لا لأنَّ الدربَ ضاقَ،
ولا لأنَّ الريحَ أطفأتِ الشموعْ،
ولكنْ حينَ يصبحُ في البقاءِ مذلَّةٌ،
ويصيرُ نبضُ القلبِ منفًى للدموعْ.
سأرحلُ
حينَ لا يبقى بصدريَ
غيرُ صمتٍ يستجيرُ من الصدى،
وحينَ أفتِّشُ في الوجوهِ عن المحبَّةِ،
فلا أرى إلّا ملامحَ من جَفَا.
إذا ماتَ المحبُّ بداخلِ الإنسانِ،
فأيُّ جدوى أن يُقيمَ على انتظارْ؟
وإذا توارى الخيرُ خلفَ أقنعةٍ،
فأيُّ معنى أن نُرمِّمَ ما انهارْ؟
سأرحلُ...
والرحيلُ، وإنْ تجرَّعَ مُرَّهُ قلبي،
أهونُ من حياةٍ
كلُّ ما فيها انكسارْ.
لن أستجديَ الوفاءَ من الذينَ
تعلَّموا كيفَ الخيانةُ تُرتَدى ثوبَ اعتذارْ،
لن أستعيرَ من القلوبِ مودَّةً،
فالودُّ إنْ جاءَ استجداءً،
أضاعَ العمرَ، وانطفأَ النهارْ.
ما عادَ في كفِّي متَّسعٌ
لأحملَ خيبةَ الأعوامِ عنكم،
ما عادَ في صدري مكانٌ
للمواعيدِ التي شاختْ،
ولا للوعودِ التي تنكَّرتْ،
ولا للأحلامِ حينَ تبيعُ أصحابَها
في أوَّلِ المنعطفاتِ بلا اعتذارْ.
سأرحلُ إنْ تهاوى الحبُّ فيكم،
إنْ جفَّ نبعُ الخيرِ فيكم،
إنْ صارَ قلبي بينَ أيديكم
غريبًا لا يُزارْ.
فالمرءُ لا يحيا بمجرَّدِ أنَّهُ
يتنفَّسُ الهواءَ،
ولا تُقاسُ الحياةُ بكثرةِ الأيَّامِ
إنْ خَلَتِ المعاني من حياةْ.
ما قيمةُ الأبوابِ إنْ أُغلِقَتْ
على روحٍ تُكابدُ ألفَ موتْ؟
ما قيمةُ الأحضانِ إنْ كانتْ
تُخبِّئُ في دفءِ أذرعِها شتاءْ؟
ما قيمةُ القربِ الذي يُدني المسافاتِ
ويُقصي الروحَ عن روحٍ،
ويتركُ في الحنايا ألفَ آهْ؟
سأرحلُ...
ليسَ في الرحيلِ انتقامٌ،
لا أريدُ لخطوتي أن تستبيحَ
حدائقَ الأمسِ الجميلْ،
لكنَّني أرفضُ أن أبقى
رهينَ محبَّةٍ عمياءَ،
أو ظلًّا يُساومُهُ الأسى
كي يستظلَّ على جدارٍ مستحيلْ.
سأتركُ خلفي ما تبقَّى من حكايا،
والرسائلَ، والعتابْ،
سأتركُ الذكرى تُرتِّبُ ما تشاءُ
على رفوفِ الغيابْ،
وأمضي، وفي كفِّي بقايا كبرياءْ،
وفي عينيَّ ما يكفي من الحزنِ النبيلْ،
وفي قلبي يقينٌ لا يموتْ:
أنَّ الرحيلَ كرامةٌ حينَ لا يبقى
من الحبِّ الذي نرجوهُ شيءْ،
وأنَّ بعضَ البُعدِ أرحمُ من لقاءٍ
يستبيحُ الروحَ، ثمَّ يقولُ: جئتْ.
فلا تعاتبوني إنْ مضيتُ،
فقد أقمتُ على ضفافِكمُ طويلًا،
أزرعُ الوردَ الذي لم يزهرِ،
وأُضيءُ دربًا
كلَّما أشعلتُ فيه النورَ
أطفأتمْ سناهْ.
ناديتُ فيكم ألفَ مرَّةْ،
واستعدتُ من الوفاءِ بقاياهْ،
ومددتُ جسري فوقَ أنهارِ الجفاءْ،
حتى تعبتُ من العبورِ،
ومن سؤالِ الماءِ عن سرِّ الجفافْ.
واليومَ، لا عتبٌ لديَّ ولا ملامْ،
فالعتبُ آخرُ ما يُقدِّمُهُ المحبُّ،
فإذا انتهى العتبُ،
استراحَ القلبُ من طولِ الخصامْ.
سأمضي، لا أحملُ الحقدَ القديمْ،
ولا أجرُّ ورائيَ الأبوابَ،
لن أُطفئَ في طريقِكمُ المصابيحَ،
لكنْ لن أعودَ
لأكونَ شمعةً تحترقُ
كي لا تَظلِموا.
أنا لا أُغادرُ من أحببتُ
لأنَّ الحبَّ ماتَ بمهجتي،
بل لأنَّ الحبَّ حينَ يُهانُ
يموتُ فينا شيءٌ
لا تُحييهِ ألفُ عودةْ.
سأرحلُ...
والرحيلُ الآنَ أصدقُ من بقاءْ،
والصمتُ أبلغُ من حديثٍ
لا يُغيِّرُ في القلوبِ سوى العناءْ.
سأرحلُ حينَ لا يبقى بكمْ
مَن يستحقُّ مودَّتي،
وحينَ لا يبقى بصدري
ما يُقاومُ قسوةَ الأيامِ أو وَجَعَ الجفاءْ.
سأرحلُ،
ثمَّ أتركُ للزمنْ
أن يقولَ لمنْ أرادَ إقامتي:
إنَّ الذي يمضي عزيزَ النفسِ
لا يمضي هزيمةً،
بل يستردُّ من الحياةِ كرامةً
ضاعتْ طويلًا في العطاءْ.
فإذا سألتمْ ذاتَ يومٍ:
لِمَ الرحيلُ؟
فقولوا:
لأنَّ في القلبِ الذي أعطى كثيرًا
آخرَ بابٍ لا يُفتحُ بالرجاءْ،
ولأنَّ بعضَ الرحيلِ نجاةُ روحٍ،
وبعضَ البقاءِ
موتٌ... ولكنْ دونَ عزاءْ.
ـــ الشاعر بلعربي خالد
