بقلم الكاتبة: علياء فتحي (نبض)
ليس كل صمتٍ هدوءًا، فبعض الصمت ضجيجٌ أتقن صاحبه إخفاءه.
وراء الوجوه الساكنة حكاياتٌ لا تُروى، ووراء الكلمات التي لم تُقَل مقابرُ كاملةٌ لأشياء ماتت قبل أن تجد طريقها إلى النور.
أحيانًا نصمت، لا لأننا لا نملك الكلام، بل لأن في داخلنا كلامًا أكبر من أن تحمله الحروف.
نصمت حين نكتشف أن الشرح لن يغيّر شيئًا، وأن بعض القلوب تسمع الكلمات بأذنها، لكنها لا تسمع ما وراءها.
نصمت حين نتعب من تكرار أنفسنا، من الدفاع عن مشاعر لم يُطلب منا يومًا أن نشرحها، ومن محاولة إثبات أن ما يؤلمنا حقيقي، حتى لمن تسببوا فيه.
خلف كل صمتٍ طويل شيءٌ ما يتآكل ببطء.
ربما ثقةٌ انكسرت، أو حلمٌ أُغلق بابه، أو شخصٌ رحل وترك مكانه فراغًا لا يشبه أي فراغ.
وقد يكون الصمت أحيانًا آخر ما نملكه حين تعجز أرواحنا عن حمل المزيد.
نبتلع الكلمات واحدةً تلو الأخرى، كما يبتلع البحر ما يسقط فيه، ثم نمضي إلى يومنا بملامح عادية، نجيب، ونبتسم، ونسأل الآخرين عن أحوالهم، وكأن شيئًا في الداخل لم يتغير.
لكن الحقيقة أن بعض المعارك لا تترك جروحًا على الجسد؛ تتركها في الأماكن التي لا يراها أحد.
هناك، خلف ابتسامة عابرة، قد يقيم حزنٌ كامل.
وخلف كلمة «أنا بخير» قد تختبئ ساعاتٌ طويلة من التفكير، وليالٍ لا يعرف النوم إليها طريقًا.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نخطئ فهم الصمت.
فليس كل صامتٍ منكسرًا، وليس كل من أخفى ألمه عاجزًا عن مواجهته.
أحيانًا يكون الصمت شكلًا من أشكال القوة؛ حين نختار ألا نقول كل ما نعرف، وألا نرد على كل ما يؤلم، وألا نمنح الآخرين مفاتيح الأبواب التي أغلقناها داخل أرواحنا.
هناك أوجاعٌ لا تحتاج إلى جمهور، وحكاياتٌ يكفي أن نعرف نحن أنها حدثت.
فالإنسان لا يُقاس دائمًا بما يقوله، بل بما استطاع أن يحتفظ به في داخله دون أن يتحول ألمه إلى قسوة.
وربما يأتي يومٌ ندرك فيه أن الصمت الذي ظنناه اختناقًا كان في بعض لحظاته حماية، وأن الأشياء التي لم نقلها أنقذتنا من معارك لم تكن تستحق أن نخوضها.
لكن أجمل ما يمكن أن نفعله بعد كل هذا الصمت، ألا نسمح له بأن يتحول إلى سجن.
أن نتحدث حين يكون الكلام نجاة، وأن نرحل حين يصبح البقاء استنزافًا، وأن نعترف لأنفسنا على الأقل بما حاولنا طويلًا إخفاءه عن الآخرين.
فبعض الحكايات لا تحتاج إلى أن تُروى للعالم، لكنها تحتاج أن تُسمع داخلنا.
وحين نصغي إليها أخيرًا، قد نكتشف أن ما حسبناه نهاية لم يكن إلا فصلًا ثقيلًا، وأن القلب، رغم كل ما مر به، ما زال قادرًا على أن يبدأ من جديد.
