لا أحد يملك الغد



بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة 

أكثر ما يُربك الإنسان أنه يتعامل مع الغد كأنه شيءٌ يملكه، فيبني عليه اطمئنانه، ويضع فيه رهاناته، ويمنح بعض الكلمات سلطةً على سنوات لم تأتِ بعد. كأن الوعد قادر على إيقاف الزمن، وكأن المشاعر لا تتبدل، والظروف لا تنقلب، والإنسان نفسه يبقى النسخة ذاتها مهما مرّت به الحياة.


لكن الحقيقة أبسط وأقسى: لا أحد يملك الغد.

لا أحد يستطيع أن يضمن بقاء قلبه على الشعور نفسه، ولا استمرار الظروف على حالها، ولا أن يبقى الأشخاص في الأماكن التي اعتدنا وجودهم فيها. وحتى أكثر الوعود صدقًا تظل مرتبطة بإنسان تحكمه الحياة، والحياة بطبيعتها لا توقّع عقودًا مع أحد.

وهذا لا يعني أن الوعود كذب، أو أن الوفاء نادر، وإنما يعني أن الوعد يجب أن يبقى في حجمه الطبيعي: نية صادقة حين تُقال، لا وثيقة ضمان للمستقبل. فقد يكون الوعد حقيقيًا في لحظته، ثم تأتي الأيام بما لم يكن في الحسبان. يتغير الشعور، تتبدل الأولويات، تتسع المسافات، أو تفرض الظروف طريقًا آخر.

ولهذا فإن أشد الخيبات لا تأتي دائمًا من الرحيل، وإنما من اليقين الذي سبق الرحيل. حين يتحول الاحتمال إلى يقين، تصبح النهاية صدمة، وحين يصبح شخص واحد ضمانًا للأمان، يتحول غيابه إلى تهديد للحياة كلها. لذلك لا ينبغي أن يصبح وجود أحد شرطًا لاستمرار الحياة، ولا أن تتحول علاقة واحدة إلى العالم بأكمله.

فالحب لا يحتاج إلى قسمٍ بالأبدية كي يكون صادقًا، والصداقة لا تحتاج إلى وعدٍ بالدوام كي تكون ثمينة. بعض العلاقات تثبت قيمتها بما تمنحه وهي موجودة، لا بعدد السنوات التي تستمر فيها. والأهم أن انتهاء بعض الأشياء لا يعني أنها كانت زائفة؛ فهناك علاقات تنتهي بعدما أدت أدوارها، وأشخاص يعبرون الحياة لفترة ثم تتباعد الطرق، ووعود كانت صادقة في وقتها لكنها لم تستطع عبور الزمن.


فبعض الأشياء لا تُقاس بقوة بقائها، وإنما بجمال أثرها.

وهنا تظهر قيمة الأفعال؛ فالكلمات تستطيع التعبير عن النوايا، لكنها لا تستطيع ضمانها. أما المواقف فهي التي تكشف معدن العلاقات: كيف يكون الحضور وقت الحاجة، وكيف يُحفظ الود عند الاختلاف، وكيف تُصان الأسرار عندما تتغير المصالح، وكيف يبقى الاحترام قائمًا حتى حين تتغير المسافات.

والثقة كذلك ليست تسليمًا كاملًا منذ اللحظة الأولى، بل معرفة تتشكل ببطء. فحسن الظن لا يعني إلغاء البصيرة، والانفتاح لا يعني التخلي عن الحدود، والمحبة لا تعني أن تختفي الذات داخل علاقة.

أن يعيش الإنسان بقلب مفتوح وعقل يقظ ليس تناقضًا؛ بل هو أحد أشكال النضج: أن يستمتع بالحضور دون أن يرتعب من الغياب، وأن يحب دون امتلاك، وأن يمنح دون أن يجعل العطاء ثمنًا للبقاء.

لهذا لا ينبغي رفض الوعود، ولا تقديسها. تُستقبل بفرح، لكن تترك الأيام مهمة إثباتها. فالكلمة بداية، والفعل برهان، والزمن هو الشاهد الذي لا يجامل أحدًا.

لا أحد يملك الغد؛ لذلك لا ينبغي أن نضع حاضرنا كله في عهدة مستقبل لم يأتِ بعد.

نحب، ونثق، ونمنح، ونعيش بصدق، لكن نترك للغد حقه في أن يأتي كما سيأتي، لا كما وعدنا به أحد. وربما تكون الحكمة كلها في أن نعيش ما لدينا الآن بامتنان، دون أن نطالب الحياة بضمانٍ لما لم تكتبه بعد.

وفي النهاية، لا تجعل خوفك من الغد يسرق منك جمال اليوم، ولا تجعل وعدًا عابرًا يختصر لك الطريق كله. خذ من كل علاقة صدقها، ومن كل لحظة معناها، ومن كل رحيل درسه، ثم امضِ بقلبٍ ممتنّ لا بقلبٍ معلّق.

فالغد ليس ملكًا لأحد، لكن اليوم بين يديك؛ وهذه وحدها فرصة لا تستحق أن تُهدر.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology