مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمن
لقد صاغت الطبيعة لليمن قصيدةً لا تستقر على بحر واحد من الأوزان، ولا تنتهي عند حد من حدود القوافي. فإذا كانت القصائد - بطبيعتها الأولى - تُسطَّر على البياض، فإن لليمن قصيدة نُقشت في جباه الجبال، ورُسمت على مدى الوديان، ولُونت بلون العيون والجزر والبحار، ونُسجت بخيوط الضباب فوق القمم، وطُوِّعت أبياتها الخضراء على مدرجات تشبه سلالم الضوء الصاعدة إلى مشارف السحاب؛ قصيدةٌ لم تستأذن شاعراً كي تُولد، ولم تنتظر قلماً كي تُصنع، فقد تكفلت الأرض بكتابتها، وتولت السماء إنشادها، ورتلت المياه هديرها حتى جعلت من الزمن شاهداً على خلودها.
ثمة من الجبال ما يشبه قلاعا ذات أبواب ونوافذ وسقوف، حتى لكأن ما تراه من شواهقها حصون شيدتها أنامل الطبيعة في هيئة مهيبة، تناوبت الرياح والأمطار على نحت جدرانها دون أن تنال من رسوخها أو تزعزع ما توطد في صخورها من تراكيب على مر العصور. وثمة منها ما تلامس ذُراها حدود الغيب؛ فتختفي وراء حُجب الضباب، ولا يظهر من أجسادها المديدة إلا ما أبدته الرياح من نتوءات صخرية وأكتاف متعرجة، حتى ليخيل للرائين أنها تنتهي حيث ينقطع البصر، ثم تمضي في امتدادها وراء الغيم. وثمة منها ما يشبه أمواجاً تحجّرت في لُجج الصخور، تتعاقب قممها وتتوالى انحداراتها، ومنها ما تتوارى تفاصيلها في شعاب سحيقة حتى ليقف النظرُ دون غاياتها، ويقصر الوصف عن استقصاء مسالكها لما استحكم فيها من وعورة وتداخل والتواء.
وعلى حواف الأعالي تتدلى قرى معلقة على تخوم الغيم، لا نراها إلا حين تصفو السماء إلى زرقة خالصة، وإن صفت تجلت لنا قلاع من أساطير الأولين؛ تلك التي تناقلناها في حكايات الأجداد إلى أن ارتسمت في خيالنا صوراً حاضرة على الدوام كنقش على حجر. لكنك في أحايين كثيرة قد تمر في المكان أياماً وأياما وأنت لا تعرف أن ما وراء الأفق البعيد قمم نُحتت على مناكبها الديار وتُوجت على هاماتها المعالم، حتى إذا ما كنت على أحد سقوفها رأيت الأُخَر أشبه بسفن سماوية جنحت بها الأمواج إلى الظلل المتراكمة بعضها فوق بعض. وفي مشهد كهذا، إذا أقبل المغيب، ياللجمال الذي يتجلى دون عينيك! فتسأل في قرارة نفسك: أهذا الذي يفترش المدى ذهب وعسل، أم جمر ونار؟! أم أنك في حلم يمني نجا من السقوط في هاوية الزمن؟ فلا تعود - حينها - تدري أهذه القرى من صنع الإنسان، أم أن الجبال أنجبتها ذات فجر من صخرها وأودعتها سرها الخالد؟
ثم تنحدر القصيدة من علو الجبال لتفتح أبوابها على الوديان، حيث تتسع الأرض على مدى النظر كأن الجبال أزاحت عن صدرها عباءة الحجر، لتكشف لنا قيعاناً تتجلى في تضاريسها شواهد على اقتدار الأرض في ابتداع صور الحياة من تناقضات المكان، وتنقش الفصولُ على أديمها آثاراً تتبدل ملامحها ولا تنفد دلالاتها إذ كلما قلّبت الأرضُ وجهاً من وجوهها، أطل من أعماقها سر جديد من أسرار التكوين. فإذا انقضت مواسم الخصب، ظلت في أعماق التربة حياة تدخر انبعاثها، وتضوعت من الثرى - عقب المطر - روائح الأعشاب، كأنما الوديان تنطوي على طبقات من وجود مستتر.. تتوارى في تضاعيفها ملاحم صامتة من الخلق لا تستنفد العين وجوهها ولا يبلغ الخيال أقاصيها. تارةً، تنهض من أطرافها أشجار ضاربة الجذور، وتارة يطل حقل من خاصرة الشتاء، وتارة تنبثق عيون جارية تحت سفعات الهجير، كأن الماء يسترد من جوف الأرض حقه في الحياة ويشق للصمت مجرى يروي عطش المكان.
وإذا كانت الحضارات تُعرف بما تشيده من معابد وقصور، فإن للمدرجات الزراعية حضارة أخرى لا تقل هيبةً وعظمةً، إذ تنتظم على ظهور السفوح كأنها سطور كتاب تستنطق بداياتها صمتَ الجبال، وتُفضي نهاياتها إلى مدى اللازورد بأبجدية لا يستقرئ معانيها سوى الأفق الأعلى. وفي تضاعيف هذا الخلق، لا ينبت العشب من التراب بقدر ما ينبثق من ذاكرة الخصب الأولى، كأن الأرض لم تكن يوماً طيناً صامتاً بل اخضراراً أزلياً استكن في غبار البدايات، حتى جاء أول مطر يزيح عن غياهب التكوين حُجبها، فإذا بالجمال الذي تألفه اليوم أعيننا ليس إلا الصورة التي كان عليها الوجود قبل أن يتعلم الاختفاء. ولعل اخضرارها شهادةً على أن الإنسان مهما ضاقت به مناكب الأرض يستطيع أن يفتح في صخورها نافذةً للسنابل.
أما فسيفساء القصيدة فتظهر جليا من السواحل والجزر، حيث تتآلف فيها انكسارات الأرض مع انفساح الماء، وتتوالى على امتداد الأفق انحناءات الشواطئ وأذرع اليابسة الممدودة في عباب البحر، فيما يتردد الهدير على تخومها، صاعداً من اللجج إلى مسامع البر بإيقاع يجري عذوبةً بين سطوة البحر ورقة الرمال، في مشهد تتعانق فيه عفوية التكوين وعبقرية التشكيل؛ مشهد تنبسط فيه جغرافيا أسبغت الطبيعة على ملامحها من بدائع التصوير ما جعل تخوم اليابسة والماء موئلاً يتجاذب فيه البصر والدهشة حق الاكتفاء. وبين الجزر التي تنأى في أقصى امتدادات البحر وتلك التي تدنو من حواف الشواطئ تتوزع تجليات الجغرافيا في تنوع يأبى التكرار، حتى ليبدو البحر في حضرة اليمن شريكاً في صياغة الأرض، لا مجرد امتداد ينتهي عنده حدود البر.
وهكذا تمضي القصيدة اليمنية من ذروة إلى أخرى، لا يحدها أفق، ولا يستنفد أبياتها وصف؛ ففي كل انكسار للأرض ابتداء، وفي كل امتداد للماء احتمال لدهشة أخرى، وفي كل اخضرار تنبعث من الثرى سيرة حياة تأبى الأفول.
