صديقتي الأوكرانية



محمد البوجي / غزة - فلسطين
في معهد اللغة التركية كنت أجلس في مقعد والمكان المجاور فارغا  أثناء الدرس وفي منتصف الوقت دخلت سيدة في منتصف العمر فارعة  ترتدي جاكيت فراء أبيض  وحذاء يبدو أنه صناعة  ثمينة  وأنا أنظر إليها  خطفت نظرة تجاهي وجلست بجواري لا أعرف السر في هذا الاختيار رغم وجود شباب في القاعة ربما هي بحاجة إلى من يعلمها التركية أو من يحنو عليها فتطمئن  عرفت بالفراسة  أن هذا العجوز  حنون  وكريم ، المهم صرنا  أصدقاء  لا نفترق أثناء المدرسة ونركب المترو  مع بعض ثم أنزل أنا قبلها بمحطة  نتحدث بالإنجليزية قليلا والاشارات  قليلا والترجمة بالهاتف ، المهم يوجد تفاهم منبعه أننا غرباء  والغريب للغريب نسيب كما يقول امرؤ القيس ، وأحيانا كنا  نتفق على لقاء خارجي ندرس بقايا الدرس التركي حتى لا ننسى ، فهمت أنها  قادمة من أوكرانيا  وقد مات زوجها في الحرب الحالية مع روسيا  وابنها وحيدا يعيش مع صديقته  وأحيانا ترسل له  القليل مما يزيد من مصروفها الشهري ، تحدثنا في كثير من الموضوعات و شكت من قلة الدخل المالي وقد لا يغطي احتياجات الشهر من إيجار بيت ومصاريف الحياة  وقالت : أنا هنا في تركيا غير سعيدة بسبب ضعف الدخل المالي وصاحب المطعم لا يريد زيادة الراتب ،عندي خطة ثانية أي خطة ب ، سالتها ما نوعية الخطة ب ؟ قالت: صديقتي ذهبت إلى إسرائيل مع زوجها وأولادها وأعلنت  يهوديتها في المطار  فحصلت  على شقة ومصروف شهري  وأنا أفكر أن أسير على خطاها ، نحن قريتنا  كنا أحيانا نذهب إلى الكنيسة  نحضر عرس الأقارب  ونقبل يد الكاهن المسيحي ، الآن أفكر بجدية الذهاب إلى اسرائيل وأعلن يهوديتي في المطار وأختار اسما  يهوديا واسم عائلة يهودية أيضا ،
وأعرف غيرها الكثير ، وكما كانت أمي والجيران يتحدثون عن عائلات كثيرة هاجرت هناك قلت لها : جيد اذهبي واسكني في قريتي ، يبنا ، التي صار اسمها بعد حرب ١٩٤٨ ، يفني ، وهي جنوبي يافا باثنين وعشرين كيلو متر تقريبا  وهناك افتحي صورة هاتفك  وأنا سأدلك على بيتنا هناك حيث تزوج أبي وأنجب فيه إخوتي الكبار ، إذا لم يسكنه أحد منهم يمكن لك الإقامة فيه فهو بيت طيني جميل ،ابتسمت وقالت  سأفعل ما تحب إذا وافقوا هم . بعد أيام  التقينا  فقالت : بدأت  الحرب على غزة بقوة هستيرية  وقنابل  ضخمة لم تستخدم  من قبل أبكي وأنا أشاهد التلفاز  كيف يقصفون البيوت على سكانها  والدبابات تدوس على جثث الناس والأطفال  إذن لن أذهب هناك  سأفكر  في بلد آخر قلت: إذا أنت بحاجة إلى مساعدتي  ممكن بقدر استطاعتي  قالت : ابحث لي عن عمل ،قلت : ممكن تقديم فيزا بحث عن عمل في المانيا خاصة أنك خريجة  معهد  تمريض وهم بحاجة إليك في كل أوربا ابتسمت وهي تنظر  إلى عيني بطريقة  لم أعهدها خجلت وأخفضت  رأسي خوفا من السقوط في ثنايا القمر ،  زادت ابتسامتها  ردا على وضعي النفسي وقالت : لا تقلق لن أطلب منك شيئا آخرا لكنني سعيدة  برأيك حول فيزا المانيا هل جربها أحد من معارفك؟ قلت : طبعا وذهبوا هناك واستلموا عمل جيد في تخصصهم  ويدرسون اللغة على حساب الدولة . 
هزت رأسها وقالت : فكرة حلوة  غدا سأبدأ  البحث والمراسلة لكن كيف نلتقي  لو أنا سافرت هناك ؟ مازحا ، لا تقلقي سأبحث عن صورتك تحت أنقاض بيتي المدمر في غزة ، فتحت هاتفي وأرسلت لها على ، الواتس، صورة بيتي  لحظة استهداف طيران العدو وكيف تناثرت شظاياه  إلى أبعد مدى حتى وصلت داخل قلبي  وغباره في عيني حتى سال الدمع بكاء حارقا . بعد أيام  جاءني على الواتس رسالة تقول : أنا في السويد عند  جيراني هناك انتقلت من المانيا إليهم هم أصدقائي وتعرفت  على جار من فلسطين ذكرت اسمك له طار من الفرح  وقال : أنه علمني في الجامعة   لكنه بكى بحرقة لأن الطيران الحربي دمر الجامعة كلها  وأيضا دمر بيت أهله ولا زالوا كلهم تحت الركام وقالت: أنا أحببت فلسطين في قلبك وطهارتك ، فتحت شاشة هاتفها  وهي رافعة شارة النصر بإصبعين ، لكن لا أعرف هل لفلسطين  أم بلدها ، لم أستطع ترجمتها مثل باقي الرسائل .

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology