بقلم د. مجدولين منصور
كنا نظن أننا نُسعدهم حين أعطيناهم هاتفًا جديدًا، وجهازًا لوحيًا يملأ الوقت «بالمتعة»، وشاشة تفتح لهم نوافذ العالم. ولم نكن ندرك أننا صنعنا بأيدينا سجنًا رقميًا ناعمًا، أغلقنا بابه بإحكام، ونسينا أين وضعنا المفتاح.
*أطفالنا اليوم يجلسون ساعات طويلة أمام مقاطع الريلز التي لا تنتهي،* يضحكون على محتويات تافهة، ويرددون عبارات ترند صنعت نجومية أشخاص لا يملكون قيمة حقيقية، ولا فكرة نافعة. صار الطفل يعرف أسماء اليوتيوبرز والتيكتوكرز أكثر مما يعرف أسماء الرسل والعلماء والأدباء. وأصبحت نظراته زجاجية، يضحك لا إراديًا ثم يطلب «بعد فيديو»، ثم «فيديو آخر»، حتى نسي كيف يلعب، وكيف ينتظر، وكيف يصبر.
لقد اختصرنا التربية إلى «مقاس» واحد يناسب الجميع:
*
*اجلس هنا .واسكت. وأمسك هاتفك ولا تزعجني**
طفلك لا يحتاج هاتفا يحتاجك انت
نسينا أن الأطفال ليسوا آلات تُشحن بباور بانك، ولا عقولهم صندوق بريد نلقي فيه ما نشاء. نسينا أن اللعب في الحديقة، وصنع المجسمات بالطين، وممارسة الرياضة، والقراءة بصوت عالٍ، كلها «تربية حقيقية» تصنع إنسانًا كاملًا.
*
*التربية القائمة على المقاس والتكنولوجيا فقط هي أكبر خطأ نرتكبه اليوم.* فليس كل فيديو ترفيهي تافه، وليس كل ما على الإنترنت سمًّا، لكن ترك الأطفال دون توجيه، يجعلهم أسرى لمحتوى سطحي يسرق أعمارهم، ويفرغ عقولهم، ويشتت تركيزهم.
يا آباء ويا أمهات،
حين يعتاد طفلك على الدوبامين السريع في مقاطع الريلز، *ستجد صعوبة في إقناعه بقراءة صفحة واحدة في كتاب، أو الصبر في حل تمرين رياضي، أو الاستماع بهدوء أثناء النقاش.* التكنولوجيا ليست عدوًا، لكنها تحتاج حراسة، وتحتاج أن نكون حاضرين معهم، لا أن نتركهم وحدهم في بحر المحتوى الغارق في التفاهة.
نعم، لقد صنعنا سجنًا رقميًا لأطفالنا، لكن المفتاح ما يزال في أيدينا، لو أردنا استرجاعه:
بتحديد أوقات الاستخدام.
بمشاركة الأطفال في اختيار المحتوى الهادف.
بملء يومهم بأنشطة واقعية وحوارات إنسانية.
وبأن نكون نحن قدوتهم في الانشغال بالمعالي لا بالتفاهات.
فإنقاذ أطفالنا من هذا السجن، يبدأ بإنقاذ أنفسنا أولًا، بأن نغلق هاتفنا قليلًا، ونفتح قلوبنا لهم، لنجلس معهم على الأرض نلعب ونضحك ونتحدث ونرسم ونتعلم، قبل أن يكبروا في سجنهم، ويكبر معهم الشعور بالفراغ.
لأننا إن لم نفعل ذلك اليوم، سيأتي يوم يرددون فيه:
« *لقد صنعوا لنا سجنًا، ولم يتركوا لنا المفتاح.»*