ذاكرة الغياب

 



بقلم :ياسر زكي

يوم غريب أشم فيه رائحة الحنين إلى الماضي، وأتأمل الحاضر المرير الذي أعيشه، فمن غيري يمتلك هذا الإحساس بفقدان كل عزيز وغالٍ، لحظات مؤلمة كنت أظنها بعيدة. قلبي يذوب شوقًا وحنينًا، وعقلي يتخبط بين كل جميل أتذكره. عتاب بين عقل حائر وقلب حزين، فهل لو كانوا بيننا لما آلت بنا الأمور إلى ما نحن فيه؟

يؤتي الليل ليأخذ مني أنفاس النهار بقوة حتى كدت أفقد عقلي، فما أطول ليل الحزين بين أفكار وأوهام ودموع كانت حبيسة صمت النهار الذي سلب مني وضاع من عمري، فوالله إنني أحسب أيامي كمن يحسب وقته أثناء انتظار قطار الحياة الذي سيصل حتمًا إلى محطته.

تدور رحى الذكريات في رأسي كعاصفة لا تهدأ، تثير الغبار في زوايا روحي وتعيدني إلى لحظات كنت أظن أنني نسيتها. أرى صورهم تتراقص أمام عيني، ضحكاتهم، وأحاديثهم، وكل ما كان يجمعنا. هل كانت تلك الأيام حقًا سعيدة، أم أنني أضفيت عليها طابع السعادة بعد فراقهم؟ أسئلة تتوالد في ذهني دون إجابة، وكأنني أستجدي الذاكرة أن تعيد لي شيئًا من ماضيي.

أتعجب كيف أن الغياب يمكن أن يكون له طعم، طعم مر يختلط بذكريات حلوة، يجعلني أشعر بالوحدة رغم وجودي بين الناس. أرى الوجوه من حولي، لكنني أشعر أنني غريب بينهم، كظل يتجول بلا هدف. أبحث عنهم في كل زاوية، في كل حديث، لكنهم يختبئون في ركن بعيد من قلبي.

أحيانًا، أجد نفسي أكتب إليهم رسائل غير مرسلة، أعبّر فيها عن كل ما لم أستطع قوله، أعتذر عن كل لحظة لم أكن فيها بجانبهم، وأعبر عن شوقي الذي لا ينتهي. ولكن، هل ستصلهم تلك الرسائل؟ أم أنني أكتبها فقط لأخفف من وطأة الألم الذي يعتصرني؟

وفي كل ليلة، أعود إلى نفس النقطة، حيث يتجدد الألم، وحيث تتجدد الأسئلة. هل سأظل هكذا، أسير ذكرياتي، أم أن هناك يومًا سأستطيع فيه أن أخرج من هذا النفق المظلم؟ لا أملك الإجابة، لكنني أستمر في البحث عن ضوء في نهاية الطريق، عسى أن أجد شيئًا من الأمل يعيد لي الحياة التي فقدتها.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology