مسافة أمان

 



بقلم الكاتبة/سهام فودة 




ليست القلوب ساحاتٍ

 مفتوحة لكل عابر، ولا الأرواح موائد عامرة يُدعى إليها الجميع. في زمنٍ صارت فيه الابتسامات سهلة، والكلمات معسولة، بات الحذر فضيلة لا تُسيء للنية بقدر ما تحمي الصفاء. فليس كل من اقترب كان صادق القرب، ولا كل من مدّ يده كان يحمل نية النجاة. بعض الوجوه تجيد فن الاطمئنان، حتى إذا سكنتَ إليها، كشفت عن ملامح أخرى لم تكن في الحسبان.

الحياة تمتلئ بأشخاص يتقنون ارتداء الأقنعة، يعرفون متى يظهرون الود، ومتى ينسحبون، ومتى يختبرون ضعفك دون أن تشعر. منهم من يقترب لا ليشاركك الطريق، بل ليتأكد أنك لن تعيقه، أو ليقتات على نقائك، أو ليجعل من صدقك مساحة مفتوحة لتجربته القاسية. هؤلاء لا يهاجمون دفعة واحدة، بل يتسللون ببطء، يربكون إحساسك بنفسك، ويزرعون الشك في قلبك باسم القرب.

لا تُخدع بالكلام الكثير، فالكلمات وحدها لا تصنع إنسانًا، ولا تُقيم علاقة. المواقف وحدها قادرة على كشف الجوهر، عند أول اختبار حقيقي، عند أول تعب، عند اللحظة التي تحتاج فيها إلى سند لا إلى تصفيق. هناك من يحضر في أوقات الضوء، ويغيب حين يحل الظل، ومن يُجيد مشاركة الضحك، لكنه يتراجع أمام أول وجع صادق. الصُّحبة الحقيقية لا تُرهقك، ولا تجعلك في موضع الدفاع عن ذاتك، بل تمنحك طمأنينة هادئة تشبه البيت.

القرب ليس حقًا مكتسبًا، بل امتياز يُمنح لمن يعرف قيمته. ليس كل من عرف أسرارك أهلًا لحملها، ولا كل من شاركك التفاصيل جديرًا بالبقاء. بعض النفوس تبدو وديعة، لكنها مُلغَّمة، تبتسم كثيرًا، وتؤذي أكثر، وتستنزفك دون ضجيج حتى تكتشف أنك لم تعد كما كنت.

اختر بعناية من تسمح له بملامسة روحك. اختر من يشبهك في الصدق لا في الادعاء، ومن يحترم حدودك دون أن يختبرها، ومن لا يطلب منك أن تكون نسخة أخرى لترضي حضوره. اختر من يضيف إلى حياتك نورًا لا ضجيجًا، وراحة لا قلقًا. فسلامك الداخلي أثمن من أي علاقة، والابتعاد عن النفوس المؤذية ليس خسارة، بل انتصار صامت للنفس.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology