بقلم الكاتبة الصحفية/سهام فودة
ليس معرض القاهرة الدولي للكتاب مجرد مساحة تُعرض فيها الكتب، ولا موسماً عابراً للقراءة، بل هو مرآة صادقة لحالة الوعي الجمعي، ونبض ثقافي يكشف ما يختبئ خلف العناوين والصفحات. من اللحظة الأولى لدخولك، تشعر أنك لا تسير بين أجنحة، بل بين أفكار حيّة، ووجوه تعرف جيداً لماذا جاءت، ومشهد ثقافي يؤكد أن القراءة بخير، بل في أفضل حالاتها.
الكتاب هنا ليس غريباً ولا مهمشاً، بل في قلب المشهد. الإصدارات الجديدة تحيط بك من كل جانب، تنوع لافت، وغزارة تؤكد أن الكلمة ما زالت قادرة على التجدد، وأن الكاتب لم يفقد شغفه، ولا القارئ رغبته في الاكتشاف. ورغم هذا الزخم، تظل الرواية في الصدارة، كأنها الابنة المدللة للقراء، يلتفون حولها بشغف، يبحثون فيها عن أنفسهم، عن أسئلتهم، وعن حكايات تشبههم أو تمنحهم حياة أخرى.
اللافت في المعرض ليس فقط ما يُقرأ، بل كيف يُقرأ. جمهور في غاية الرقي، هدوء يليق بالمكان، لا أصوات مرتفعة، ولا فوضى، ولا مظاهر تسيء للمشهد العام. حتى الأرض تبدو وكأنها تشارك في هذا الاحترام، خالية من الورق والمخلفات، كأن الجميع اتفق ضمنياً على أن الثقافة لا تكتمل إلا بسلوك يليق بها.
ورغم الحديث الدائم عن ارتفاع الأسعار، فإن المعرض يقدم معادلة متوازنة؛ نعم، الأسعار ليست سهلة على الجميع، لكن الخصومات الكبيرة تفتح أبواباً واسعة للقراءة، وتجعل اقتناء الكتاب حلماً ممكناً لا رفاهية بعيدة. ويبرز هنا الدور الواضح لأجنحة وزارة الثقافة، التي تقدم إصدارات متميزة، بعناية فكرية واضحة، وبأسعار زهيدة، كأنها رسالة صريحة بأن الثقافة حق، لا امتياز.
ومن أجمل مشاهد المعرض تلك الأسر التي تحرص على اصطحاب أبنائها. مشهد يحمل قدراً كبيراً من السمو، ترى فيه الأدب والحكمة في ملامح الآباء، والدهشة في عيون الأطفال، وكأن الكتاب أصبح جسراً خفياً بين الأجيال. هنا تدرك أن الوعي لا يُلقَّن، بل يُعاش، وأن الطفل الذي يكبر بين الكتب، يكبر وهو يحمل احتراماً للحياة وللآخر.
الحضور الكثيف لأجنحة الكتب الدينية يلفت الانتباه أيضاً، تنوع كبير، وإقبال واضح، يعكس بحثاً عن المعنى، ورغبة في الفهم، ومحاولة دائمة لربط المعرفة بالقيم. وفي الوقت نفسه، يبدو الإقبال المهول على كتب الأطفال والكتب الدراسية مؤشراً مطمئناً، يؤكد أن الأسرة المصرية ما زالت ترى في التعليم والمعرفة أولوية لا تقبل التراجع.
معرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته هذه، لا يقدّم كتباً فقط، بل يقدّم درساً غير مباشر في التحضر، ويبعث برسالة هادئة مفادها أن الثقافة ما زالت قادرة على جمع الناس على اختلافهم، وأن القراءة، مهما تغيرت الأزمنة، تظل فعلاً مقاوماً للنسيان، وحارساً أميناً للوعي والجمال.
