لبيب عتيق
(مشهد واحد – مكان مجرد يشبه عتبة قصر مهيب.
تنتشر سحب متحركة خلفية تعكس صوراً متغيرة من تاريخ البشرية. ثلاث شخصيات تظهر في أضواء مركزية)
(الحقيقة واقفة في الوسط، ترتدي ثوباً بسيطاً بلون العاج. تنظر بعمق إلى الأفق. الإرادة تجلس على درجة من الدرجات، ملامحها تعكس التحدي والإصرار. القدر يدخن غليوناً في زاوية مظلمة، مبتسماً ابتسامة غامضة)
الحقيقة: (بصوت هادئ عميق)
كأنني واقفة هنا منذ البدء... أرى أبراجاً تشيد ثم تتداعى، وحروباً كالنار تشتعل ثم تخبو. وأسأل نفسي دائماً: إلى أين تمضي بهم عجلة الأيام؟ كيف سيكون وجه الغد؟
الإرادة: (تقف بسرعة، بحركة مفعمة بالحيوية)
الغد؟ (تضحك ضحكة مريرة) لن يكون أكثر إشراقاً، ولن يكون أنقى. الماضي حُفرٌ من الأخطاء، والحاضر غابة من الفوضى، والمستقبل... مجرد امتداد لهما.
(تصمت لحظة، ثم تجلس وكأن ثقلاً فجائياً أقعدها)
ربما... ربما هذا هو القضاء الذي رُسم لهم. قدرٌ محتوم.
(يخرج القدر فجأة من الظل، يصفق ببطء)
القدر: (بصوت ناعم سامٍ)
أوه، أي قدر هذا الذي تتحدثين عنه؟ (يقتلع بصبر) ألم يبنوا عالمهم بأيديهم؟ ألم يختاروا بأحرار إرادتهم طريق الخراب؟
الإرادة: (تندفع نحو القدر غاضبة)
وبماذا تجيب عن صرخات الأطفال؟ عن تلك العيون البريئة التي تفتح على الدمار؟ ما ذنبهم؟
القدر: (يتمدد في كرسيه غير المرئي)
الذرية تتبع أصلها. كالشجرة تُثمر حسب بذرتها. وكما صنع الآباء... (يوقف كلماته بتعمّد) سيكون الأبناء.
الإرادة: (تتحدى بنظرة حادة)
إذن، كل تضحية باطلة؟ كل دم أريق من أجل العدل، كل بطل سقط في ساحة الوغى... كل هذا لا قيمة له؟
القدر: (بتعالي)
أبداً. يكفيهم... يكفيهم شرف المحاولة. كمن يحاول إيقاف مدّ البحر بكفه. بطولي، وإن كان عبثياً.
الإرادة: (تفقد صبرها، تضحك ضحكة قصيرة حادة)
العجب! توزّع الشهادات على الشهداء، وأنت... (تشير إليه بإصبع اتهام) أنت العائق الأول! أنت المتفرج الذي يحرك الخيوط ثم يلعب دور الحَكَم!
القدر: (يطفئ غليونه ببطء، وعيناه تضيقان)
إذن، انتهى الحوار العاقل وبدأ الهذيان؟ (يقف فجأة، صوته يرتفع) قولي كل ما في جعبتك، فلنستمع إلى "حكمتك"!
(يبدأ الضوء في التغير. تتحول الإضاءة إلى ألوان متصارعة: أحمر قاني للإرادة، وأزرق غامق للقدر. تبدأ الموسيقى الخلفية بالإثارة)
الحقيقة: (تحاول التدخل، لكن صوتها يُبتلع في الضجيج)
لحظة... انتظرا... ليس هذا ما أردت...
(يتحول الحوار إلى مواجهة شعرية غنائية. تتحرك الشخصيتان في دوائر، وكأنهما في مبارزة)
الإرادة: (بإيقاع سريع حاد)
أنت يا من تختبئ خلف حجاب الغيب ⸢
وتلعب بأقدار العباد كاللعب ⸣
القدر: (يرد بإيقاع أبطأ متعجرف)
وهل غيري يضع في كفّكم الخيار؟ ⸢
وهل غيركم يملأ الدنيا انتهاكاً وانتثار؟ ⸣
(تتصاعد حدة المواجهة. تتداخل الأصوات. تظهر على الشاشة الخلفية صور سريعة من الحروب والصراعات عبر العصور. الموسيقى تصل إلى ذروتها)
الإرادة:
يا مجرم التاريخ! يا قاتل الأحلام!
القدر:
يا طفلة ساذجة! يا من تظن الحياة سلام!
(يصل الصراع إلى قمته، ثم... صمت مفاجئ. ينطفئ الضوء الملون. تعود الإضاءة الباهتة الأولى. الحقيقة واقفة في وسط فوضى من الأوراق المتطايرة – رموزاً للحلول الممكنة الممزقة)
الحقيقة: (تنظر حولها، ثم تلتقط ورقة ممزقة. صوتها حزين متعب)
ضاع الجوهر... ضاع السؤال الأول في زوبعة الكلمات. كل الطرق التي كانت مفتوحة... (تفتح كفيها فارغتين) أُغلقت.
(تسقط على الركبتين، لكنها ترفع رأسها نحو الجمهور. نظرة الحيرة في عينيها أعمق من البداية، لكن فيها بصيص من الاستنارة المرة)
إذا كان الحوار بين إرادتهم... وقدرهم... ينتهي إلى هذه العاصفة العقيمة...
(تتنهد سؤالها الأخير، وهو يتردد في القاعة كصدى لا ينتهي)
فكيف... كيف ستقف الأجيال القادمة على هذه العتبة نفسها؟ بماذا ستسأل؟ وكيف سيكون... حالهم؟
(يخفت الضوء ببطء حتى الظلام. تبقى كلمة "حالهم" معلقة في الهواء)
نهاية المشهد
نهاية المسرحية
