قلوب لا تشيخ

 



بقلم الكاتبة الصحفية/سهام فودة 




في زمنٍ يتقن فيه الناس

 ارتداء الأقنعة أكثر مما يتقنون الصدق، ويجيدون الحسابات أكثر مما يجيدون العطاء، لا تزال الحياة تخبئ لنا مفاجآتها الجميلة… أشخاصًا يمرّون في الطرقات بهدوء، لكن حضورهم يترك أثرًا يشبه الضوء، لا يُرى بالعين فقط، بل يُحس بالقلب. أشخاص لا يحتاجون إلى إعلان، ولا يرفعون رايات الطيبة، لأن نقاءهم يسبقهم، وصدقهم يعرّف بهم قبل أسمائهم.

لا يزال في الحياة قلوب لم تتعلم فن الالتفاف، ولم تدخل مدرسة المراوغة، قلوب في طور الطفولة رغم تقادم الأعوام، صافية كأول دهشة، وبريئة كأول ضحكة. تمضي في الحياة بخفة الروح لا بثقل التجارب، وكأن الأيام تمر من حولها دون أن تترك ندوبها في الداخل. لا تحمل من الماضي سوى الدروس، ولا تختزن من الوجع سوى الحكمة، وتترك للألم أن يمرّ دون أن يتحول إلى إقامة دائمة في أعماقها.

هؤلاء لا تكبر أرواحهم بالمعنى القاسي للكِبَر، لا تتحول إلى مساحات مزدحمة بالحذر، ولا تُغلق نوافذها خوفًا من الرياح. تظل قلوبهم مفتوحة على الاحتمالات الجميلة، تؤمن أن الخير ما زال ممكنًا، وأن الإنسان لا يُقاس بما يؤذي بل بما يُنقذ. تمر عليهم الأحداث الثقيلة، لكنهم لا يسمحون لها أن تستوطن أرواحهم، يتألمون نعم، ويحزنون نعم، غير أن الحزن عندهم عابر لا مقيم، وجراحهم لا تتحول إلى قسوة.

عيونهم مرآة صادقة، لا تعرف التزييف ولا الخداع. تنقل الجمال كما هو دون مبالغة، وتستر العيوب دون إنكار. يرون في الناس ما يستحق البقاء لا ما يستحق الإقصاء، يلتقطون الضوء الخافت في الأرواح المتعبة ويمنحونه فرصة ليكبر. نظراتهم لا تُدين ولا تجرح، بل تحتوي وتفهم وتطمئن، وكأن أعينهم خُلقت لتقول للآخرين: أنتم مرئيون… أنتم مقبولون.

ينتشلون الغارقين في الأحزان دون ضجيج، لا ينتظرون شكرًا ولا يبحثون عن تصفيق. يكفيهم أن يشعروا أن روحًا استعادت توازنها، وأن قلبًا خفّ عنه الحمل. وجودهم بحد ذاته طوق نجاة، وكلماتهم البسيطة تحمل دفئًا حقيقيًا، لا يقدمون حلولًا معقدة ولا خطبًا طويلة، بل يمنحون الإصغاء الصادق، والاهتمام الخالص، والاحتواء الذي يعيد ترتيب الداخل.

يحوّلون حياتهم إلى مساحة أمان لكل محتاج، وإلى كتف يمكن الاتكاء عليه دون خوف. يعرفون كيف يكون العطاء هادئًا ونقيًا، وكيف تكون المساندة فعل حب لا استعراض. يمنحون من وقتهم ومشاعرهم وطاقاتهم دون حساب، وكأنهم خُلقوا ليذكّروا العالم أن الطيبة ليست ضعفًا، وأن النقاء ليس سذاجة، بل شجاعة نادرة في زمن مزدحم بالتحفّظ والشك.

وتظل قلوبهم بيضاء رغم ظلمة الأحداث، لأنهم اختاروا ألا يحملوها داخلهم. يخرجون من الخيبات أخفّ لا أثقل، ومن الانكسارات أكثر رقة لا أكثر صلابة. يحافظون على نقائهم كمن يحافظ على شمعة مشتعلة في مهب الريح، يعرفون أن العالم قاسٍ أحيانًا، لكنهم يؤمنون أن القلوب البيضاء ما زالت قادرة على صنع فرق، وأن وجودهم وحده سبب كافٍ لنصدق أن الخير لم يغادر الحياة بعد.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology