بقلم رنا الطويل
لسنا عالقين لأن الطريق غامض، بل لأن الطريق واضح أكثر مما نحتمل. المأزق الحقيقي لا يبدأ حين نجهل، بل حين نعرف ونسكت. حين نرى الاتجاه بوضوح ثم نختار الوقوف، لا بدافع الصبر، بل بدافع الهروب المؤدّب الذي نُتقنه جيدًا. الحقيقة لا تحتاج من يقنعها، ولا تنتظر من يتجاهلها، لكنها تبقى هناك، ثقيلة، مزعجة، وتطالب بثمنها.
أخطر جملة نكررها لأنفسنا ليست اعترافًا بالفشل، بل تأجيلًا له: «ليس الآن». نرددها وكأن الزمن يعمل لصالحنا، بينما هو في الواقع يسجّل كل مرة اخترنا فيها السلامة بدل الصدق. كل تأجيل غير مبرر هو قرار كامل، لكنه قرار بلا شجاعة، بلا توقيع واضح، وكأننا نريد نتائج مختلفة دون أن نتحمل مسؤولية الاختيار.
وحين تطول الإقامة في منطقة الراحة، نبدأ بصناعة القصص. نغيّر أسماء الأشياء لنستطيع التعايش معها. نسمي الخوف حكمة، ونسمي الاستسلام رضا، ونسمي التكرار استقرارًا. لا نكذب على الآخرين بقدر ما نمارس حيلة لغوية مع أنفسنا، نبدّل المفردات كي لا نضطر إلى مواجهة الحقيقة عارية كما هي.
في لحظة ما، لا تأتي على شكل سؤال مباشر، بل كإحساس خانق، نجد أنفسنا أمام مفترق حقيقي: هل ما نعيشه الآن امتداد لما نؤمن به، أم نتيجة لكل ما تجنبناه؟ ليس المفترق بين خيارين جيدين، بل بين وعي موجع وتجاهل مريح. وكل مرة نؤجل هذا السؤال، نختار ضمنيًا الطريق الأسهل، لا الطريق الأصدق.
لا أحد يضيع فجأة. الضياع عملية بطيئة، تراكمية، محاطة بالتبرير. وما نخشاه أكثر من أي شيء — القرار — هو ذاته الشيء الوحيد القادر على إعادتنا لأنفسنا. لسنا بحاجة إلى قفزات درامية ولا إلى تحولات كبرى، بل إلى خطوة واحدة بلا أعذار، خطوة لا تبدو بطول الحلم لكنها صادقة بما يكفي لتكسره.
بعد الوعي، لا يعود السؤال: ماذا أعرف؟ بل: ماذا سأفعل بما أعرف؟ هنا تبدأ المواجهة الحقيقية. ما القرار الذي نؤجله رغم يقيننا أنه سيغير حياتنا؟ ما الذي نسميه أمانًا ونحن نعرف في داخلنا أنه مجرد خوف متقن الصياغة؟ هل ننمو فعلًا، أم نكرر أنفسنا بمهارة أعلى؟
التغيير لا يحتاج إذنًا من أحد، ولا يبدأ بخطابات جميلة أو نوايا مؤجلة، بل بفعل صغير يتحدى الروتين اليومي. الخوف بحد ذاته ليس المشكلة؛ التهرب منه هو المشكلة. في كل مرة نواجه فيها خوفًا حقيقيًا، نكتشف أننا خسرنا أقل مما كنا نتصور، وربحنا أكثر مما كنا نجرؤ على تخيّله.
كل قرار صغير اليوم يضيف طبقة وعي جديدة إلى حياتنا. التوقف مريح، لكنه قاتل على المدى البعيد. والقرار، مهما بدا بسيطًا، هو الفارق بين حياة تُقاس بالوقت وحياة تُقاس بالأثر. لا تنتظر لحظة مثالية، ولا تُسوّف أكثر. التوقف لم يُصنع لك، القرار وحده هو الذي يصنع حياتك.
