للكاتبة لبنى القدسي
كانت أضواء القاعة تتلألأ كأنها نجومٌ هبطت لتبارك ذلك "العرس الأسطوري"، لكن بريق الثريات لم يكن يضاهي البريق في عين تلك الأم؛ فقد وهبتْ عمرها ليكون هذا اليوم كمالاً لا يشوبه نقص، وكأنها في كل تفصيلةٍ تضعُ لبنةً لترميم الفراغ الذي خلفه رحيل والده.
خلف الستائر، كانت رياحُ الهامساتِ تلفح الأجواء؛ نسوةٌ ينسجنَ من الظنونِ شِباكاً:
"انظروا إليها، أسرجت له قناديل عمرها، وغداً تأتي امرأةٌ غريبة لتطفئ مكانتها في قلبه وتستفرد به".
"سترون.. بمجرد أن يغلق عليهما بابٌ واحد، ستصبح هي مجرد ذكريات مهملة".
لكنّ الأم كانت في وادٍ آخر؛ كانت تؤمن أن الحب لا يُجزأ، وأن القلوب الكبيرة تتسع للجميع. بالنسبة لها، لم تكن العروس "ضرةً" تسلبها ولدها، بل كانت ابنةً جديدة وهبها القدر إياها لتكمل لوحة سعادة فلذة كبدها.
في تلك الأثناء، كانت العروسُ تقاومُ حصاراً من نوعٍ آخر، إذ همست في أذنها إحدى الحاضرات:
"احذري يا بنيتي، إنه (ابنُ أمه)، وحيدها الذي لا يتخذ أمراً دون مشورتها.. ستعيشان بلا شخصية، وستندمين على هذا القيد".
قطعَ هذا الضجيجَ الصامت مشهدٌ لم يكن في حسبان أحد؛مشهد أبكى العيون، وكسر القلوب الموجوعة، ففي بداية الممر الطويل، وبينما كانت النساء ترقب طلة العروس، توقف الشاب فجأة، وانحنى بجسده في خشوعٍ مهيب، وجثا على ركبتيه أمام قدمي أمه، فانهمرت دموعه تبللُ ثوبها المخملي، وأخذ يقبلُ قدميها طويلاً.
قال بصوتٍ مخنوقٍ بالعبرات، سمعه كل من حوله:
"يا أماه، هذا عهدٌ أمام الله والملأ؛ لا يفرقنا إلا الموت. أنتِ الأصل، ومنكِ تعلمتُ أن العدل ميزان الحياة، والحقُّ شرعها. سأكون لكِ الابن الذي لم يتغير، ولها الزوج الذي لا يظلم".
تعالت بعض الهمساتُ من جديد، مشوبةً بالسخرية هذه المرة: "مجرد عاطفةٍ عابرة، غداً تذوب الوعودُ تحت شمس الواقع".
لكنّ الأيام كانت هي الشاهدُ الأصدق؛ فلم تكن الأم حماةً قاسية، بل غيمةً تظلل عليهما. وفي ليلةٍ هادئة، جلس الشاب مع زوجته وقال لها بلهجةٍ ملؤها الود والوضوح:
"يا رفيقة الدرب، إن كنتِ تحبينني حقاً، فاجعلي لأمي في قلبكِ مقاماً سامياً؛ فطاعتها واجبة، ورضاها من رضا الخالق، وما أملكه هو مِلكُ يمينها وفاءً لسنينِ يُتمٍ تجرعت مرارتها لأجلي. كوني لها ابنةً، أكن لكِ وطناً".
وهكذا، بفضل قلبِ أمٍ لا يعرف الغيرة، ورجلٍ يعرفُ معنى الوفاء، وزوجةٍ أوصدت أذنيها أمام الوشايات، وآمنت بأن "الجزاء من جنس العمل"؛ فاعتبرت حماتها أماً ثانية تحبها وتبرها، تحولت تلك الأسرة إلى منارةٍ من البر والاحترام، وخرستْ ألسنُ الواشين أمام صرحٍ بُني على "العدل" و"الحب"، وزاد دفء منزلهم بذاك الحب الكبير الذي جمع الجدة بأحفادها.
