عيد الحب ليس يومًا للعشاق فقط

 



بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة 



ليس من العدل أن نُحاصر الحب داخل وردة حمراء، أو نُعلّقه في رقبة يوم واحد من السنة، ثم نعود بعده إلى جفاف الأيام وكأن شيئًا لم يكن. فالحب أكبر من أن يُختصر في علبة شوكولاتة، وأعمق من أن يُقاس بعدد الرسائل أو حجم الهدايا، وأصدق من أن يكون مجرد مناسبة يزدحم فيها العالم باللون الأحمر ثم يفرغ سريعًا، كأن المشاعر كانت ديكورًا مؤقتًا على واجهة الحياة.


عيد الحب ليس يومًا للعشاق فقط… هذه حقيقة لا يقولها كثيرون، لأن الناس اعتادت أن ترى الحب من زاوية واحدة، زاوية الحكايات اللامعة التي تبدأ برسالة وتنتهي بخاتم، بينما الحب الحقيقي في هذا العالم لا يلبس دائمًا ثوب الرومانسية، بل يلبس أحيانًا ثوب التعب، وثوب الصبر، وثوب الخوف على من نحب، وثوب الدعاء الخفي الذي لا يسمعه أحد.


هناك حب لا يلتقط الصور، ولا يعرف الاستعراض، ولا يملك وقتًا للحديث الطويل… لكنه يُنقذ حياة كاملة دون أن يطلب شكرًا. حب أمّ تبتسم وهي تبتلع تعبها، وتضحك وهي تحمل فوق قلبها جبلًا من القلق. حب أبٍ يتظاهر بالقوة، بينما في داخله ألف خوف على أبنائه، فيُخفي ضعفه كي لا يراهم ينهارون. حب صديق لا يقول لك “أنا أحبك” لكنه يقف بجوارك حين لا يقف أحد، ويُرممك دون أن يسأل عن المقابل. حب أخ يختلف معك كثيرًا لكنه يغضب إن مسّك أحد بسوء. حب زوجة تتظاهر أن الأمر بسيط، بينما هي تُحارب وحدها لتُبقي البيت دافئًا رغم قسوة الأيام. حب زوج لا يملك لغة العبارات لكنه يضع عمره كله على كتف مسؤولية لا يشتكي منها.


وهناك حب آخر… ذلك الحب الذي لا يراه الناس لأنه لا يملك صوتًا عاليًا، حب يُولد في لحظة إنسانية عابرة، كلمة طيبة من غريب، ابتسامة من شخص لا يعرفك، دعاء من قلب بسيط في ليلة ثقيلة، يد تمتد إليك حين تتعثر، واهتمام صغير يأتي في وقتٍ كان فيه العالم كله يبدو وكأنه تخلى عنك. أحيانًا يكون الحب مجرد سؤال: “أنت كويس؟” لكنه يُقال بصدق، فيُعيد للروح شيئًا كانت على وشك أن تفقده.


نحن نعيش في زمن سريع، زمن يستهلك كل شيء حتى المشاعر، زمن أصبحت فيه العلاقات تُقاس بما تقدمه، لا بما تشعر به، وأصبح البعض يهرب من الحب خوفًا من الألم، ويهرب من القرب خوفًا من الخذلان، ويهرب من الطيبة خوفًا من أن تُفسَّر على أنها سذاجة. لكن الحقيقة التي لا نريد الاعتراف بها أن الحب لم يكن يومًا ضعفًا… الحب شجاعة. الشجاعة الحقيقية أن تُحب رغم أنك جُرحت، أن تمنح رغم أنك خُذلت، أن تبقى إنسانًا نقيًا رغم أن العالم يحاول أن يُقنعك بأن القسوة هي الطريق الأقصر للنجاة.


والأغرب أن كثيرين يعتقدون أن الحب لا يكون إلا بين اثنين، بينما الحب في جوهره ليس علاقة فقط، بل طريقة حياة. الحب أن تُعامل الناس برحمة، أن تُخفف عنهم بدل أن تزيدهم وجعًا، أن تُنقذهم من أنفسهم بكلمة صادقة، أن تُدرك أن كل شخص تقابله يحمل معركة لا تراها. الحب أن تترك أثرًا جميلًا حتى لو كنت عابرًا في حياة الآخرين. الحب أن تكون سببًا في ابتسامة لا تعلم قيمتها، أو سببًا في طمأنينة لم تكن تدرك أن صاحبها كان يفتقدها.


عيد الحب في حقيقته ليس دعوة للعشاق كي يحتفلوا، بل دعوة للقلوب كي تتذكر. كي تتذكر أن الإنسان حين يفقد الحب يتحول إلى شيء آخر… إلى جسد يتحرك بلا روح. وكي تتذكر أن الحب لا يعني أن تجد شخصًا مناسبًا فقط، بل أن تكون أنت شخصًا يستحق أن يُحب، وأن تُحب بطريقة لا تُهين ولا تُرهق ولا تُحطم، بل تُنبت وتُداوي وتُصلح.


وفي هذا اليوم تحديدًا، تخرج إلى السطح حقيقة مؤلمة لا يلتفت لها الكثيرون: أن هناك قلوبًا لا تنتظر وردة، بل تنتظر فقط أن يشعر بها أحد. قلوبًا تمضي وسط الناس وهي تضحك، لكنها من الداخل تشعر أنها وحدها. قلوبًا لم تخسر الحب لأنها لم تجده، بل لأنها أعطته لمن لا يعرف قيمته. قلوبًا لم تتألم من الفراق بقدر ما تألمت من التجاهل، من الإهمال، من الإحساس بأن وجودها لا يُحدث فرقًا. ولهؤلاء، ربما يكون عيد الحب أكثر الأيام صعوبة، لأنه يذكّرهم بما ينقصهم، ويضعهم في مواجهة مباشرة مع فراغ لا يُقال.


لكن رغم ذلك… يظل هذا اليوم فرصة لا تُقدّر بثمن. فرصة أن نصالح أنفسنا، أن نُراجع علاقاتنا، أن نعتذر لمن قسونا عليه، أن نُمسك بيد من كان ينتظر منا اهتمامًا صغيرًا. فرصة أن نُعيد تعريف الحب بعيدًا عن الصورة السطحية التي صنعتها التجارة والإعلانات، بعيدًا عن فكرة أن الحب يُشترى أو يُهدى في علبة. الحب ليس شيئًا نضعه في يد شخص ثم ننصرف… الحب شيء نعيشه.


وقد يكون أجمل حب في هذا العالم هو ذلك الحب الذي لا يطلب شيئًا. حب يُعطي فقط لأنه قادر على العطاء. حب يزرع الدفء في بيت، في صداقة، في علاقة، في قلب. حب لا يربط وجوده بالظروف، ولا يهرب عند أول اختبار. الحب الحقيقي لا يظهر في الأيام السهلة، بل يظهر حين تضيق الدنيا، حين تتعقد التفاصيل، حين يتغير الناس، حين تبهت الأشياء… ثم يبقى هو، ثابتًا كأنه وعد قديم لم يخذل صاحبه.


لهذا، لا تجعل عيد الحب مجرد مناسبة تمرّ. اجعله تذكيرًا بأنك تستطيع أن تكون إنسانًا أجمل. أن تُحب أكثر، أن تُسامح أكثر، أن تُقدّر من حولك قبل أن تسرقهم الأيام منك. أن تُدرك أن أجمل الهدايا ليست وردة ولا خاتمًا، بل كلمة في وقتها، واحتواء في لحظة ضعف، ووجود لا يتراجع حين تتغير الظروف.


وفي النهاية، ربما علينا أن نعترف أن عيد الحب ليس يومًا للعشاق فقط… بل هو يوم لكل من لا يزال يحتفظ بداخله بقلبٍ حي، قلب قادر على أن يمنح، قادر على أن يحنّ، قادر على أن يصدق أن الحياة رغم قسوتها تستحق أن نعيشها بمشاعرنا لا بأقنعتنا.


فالحب ليس يومًا… الحب وطن.


ومن يملك وطنًا في قلبه… لا يخاف الغربة أبدًا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology