رمضان… حين يصبح المطر دعاءً آخر

 



بقلم  /سهام فودة 

في بعض الأعوام لا يأتي رمضان وحده، بل تصحبه غيمة. تتقدّم الأيام كأنها على أطراف أصابعها، وتفاجئنا السماء بمطرٍ خفيف يطرق النوافذ قبيل أذان المغرب، فيختلط صوت الأذان برفيف الماء، وتصبح المدينة كلها محرابًا مفتوحًا. هناك، في تلك اللحظة التي تتصافح فيها القطرات مع الدعوات، ندرك أن الصوم ليس امتناعًا عن الطعام فقط، بل اقترابٌ مضاعف من المعنى، وأن الشتاء حين يعانق رمضان يصنع لنا موسمًا من الطمأنينة لا يتكرر كثيرًا.

رمضان في الشتاء ليس صدفة عابرة في دورة الزمن، بل حالة روحية مكتملة الأركان. النهار أقصر، لكنه أعمق. الجوع أهدأ، لكنه أصدق. والبرد الخفيف الذي يلامس الوجوه لا يرهق الجسد، بل يوقظه إلى تأملٍ صافٍ، كأن الطبيعة نفسها تشارك المؤمن صومه. في هذا الامتزاج العجيب بين صفاء المطر وسكينة الصائم، تتجلّى حقيقة طالما ردّدها العارفون: الشتاء جنة المؤمن. ليس لأنه فصل بارد فحسب، بل لأنه يختصر المسافة بين المشقة والسكينة، بين التعب والرضا، فيجعل العبادة أقرب إلى القلب، وأقل ضجيجًا على الجسد.

حين تهطل الأمطار في رمضان، يتبدل المشهد كله. الشوارع التي كانت تسرع بلا التفات، تهدأ فجأة تحت وقع القطرات. الباعة يبتسمون وهم يحمون بضائعهم، الأطفال يمدّون أيديهم نحو السماء في دهشة بريئة، والبيوت تزداد دفئًا رغم برودة الطقس. كأن المطر يذكّرنا بأن الرزق لا يأتي دائمًا بصخب، بل أحيانًا ينزل في صمتٍ شفيف، قطرةً قطرة، كما تنزل السكينة على قلب الصائم.

المطر في ثقافتنا ليس مجرد ظاهرة مناخية، بل رمزٌ للغفران والتجدد. والروح في رمضان تبحث عن الغفران كما تبحث الأرض العطشى عن الماء. كلاهما ينتظر لحظة الانهمار. لذلك يبدو المشهد وكأنه اتفاق سماوي: الأرض تتطهّر بالمطر، والقلوب تتطهّر بالصوم، والسماء تفتح أبوابها للدعاء في ساعة إفطار يختلط فيها البخار المتصاعد من الأواني برائحة المطر الأولى. أيّ مشهدٍ هذا الذي يجمع بين خبزٍ ساخن وسماءٍ باكية بخشوع؟

ثم إن للشتاء في رمضان ملمحًا خاصًا في تفاصيل البيوت. دفء البطاطين ليس رفاهية، بل طمأنينة. جلسات السحور تمتد قليلًا تحت ضوء خافت وصوت ريحٍ هادئة، فيتحول السهر إلى خلوة، والكلمات إلى اعترافات صغيرة بين العبد وربه. لا ضجيج حرٍّ يرهق الأعصاب، ولا عطش طويل يشتّت التركيز، بل مساحة أوسع للتدبر، كأن الزمن نفسه يمنحنا فرصة إضافية لنراجع قلوبنا.

وفي المدن المصرية، حين يجيء رمضان ممطرًا، تتجلى لوحة لا تخطئها العين. الفوانيس المعلّقة على الشرفات تلمع أكثر حين تعكسها البرك الصغيرة في الشوارع، وأصوات المسحراتي تمتزج بوقع المطر على الأسطح المعدنية، فتولد موسيقى عفوية لا يكتبها ملحن، لكنها تسكن الذاكرة طويلًا. هنا يصبح الشتاء شريكًا في الاحتفال، لا خصمًا له، وتتحول البرودة إلى ذريعة للتقارب، حيث تجتمع الأسرة حول مائدة واحدة، وكأن المطر أعاد ترتيب الأولويات.

الشتاء جنة المؤمن لأنه يختصر عليه مشقة الطريق، لكنه أيضًا يذكّره بزوال الأشياء. الغيمة لا تبقى، والقطرة تجف، والفصل يمضي. وكذلك رمضان. كلاهما ضيف كريم، يمر سريعًا، ويترك في القلب أثرًا لا يُمحى. لذلك فإن اجتماع الاثنين معًا يضاعف الإحساس بالفقد الجميل؛ ذلك الفقد الذي يجعلنا أكثر حرصًا على اغتنام اللحظة، وأكثر وعيًا بقيمة النعمة.

ولعل أجمل ما في هذا التلاقي بين رمضان والمطر أنه يعيد تعريف القوة. القوة ليست في احتمال العطش فقط، بل في القدرة على الصفح. ليست في الصبر على الجوع فحسب، بل في أن تظلّ رحيمًا وأنت صائم. والمطر يعلّمنا ذلك؛ ينزل على الجميع بلا تمييز، فيغسل الأسطح الفاخرة كما يغسل الأزقة الضيقة، ويمنح الحياة للحدائق كما يمنحها للأرض القاحلة. هكذا ينبغي أن يكون الصائم: عادلًا في عطائه، كريمًا في مشاعره، واسعًا كسماءٍ تمطر.

إن روحانية رمضان حين تتعانق مع المطر تكتب درسًا بليغًا في البساطة. لا تحتاج العبادة إلى تعقيد، ولا يحتاج الصفاء إلى ضجيج. يكفي أن تفتح نافذتك على غيمة، وتفتح قلبك على دعاء، وتترك بينهما مساحة صمتٍ يتسلل منه النور. هناك، في تلك المسافة الصغيرة بين قطرةٍ تسقط وكلمةٍ تُرفع إلى السماء، تتشكل حقيقة الإيمان.

رمضان الممطر ليس مجرد تزامن موسمي، بل رسالة خفية تقول إن الرحمة تحيط بنا من فوق ومن داخل. من السماء ماء، ومن القلب دعاء، وبينهما إنسان يحاول أن يكون أفضل مما كان. فإذا انقضى الشهر، وجفّت الطرقات، وبقي أثر البلل على الجدران، سنكتشف أن المطر لم يغسل الشوارع فقط، بل غسل شيئًا أعمق فينا. وربما لهذا السبب، كلما سمعنا صوت قطرات في ليلٍ رمضاني، همس القلب في امتنان: ما أجمل أن تصلي السماء معنا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology