بقلم : د. بدرية مانع
نظر مليا إلى حقيبته المدرسية القابعة بجواره على الكرسي، اقترب منها وحملها برفق متأهبا لدخول المدرسة، مشى بخطوات مترددة ووزن الحقيبة يتكاثف كلما اقترب من البوابة الحديدية السوداء،
تختلط الأصوات القديمة القادمة من الحقيبة ببعضها، طاغية على أصوات الطريق والسيارات المتلاحقة.
يجلس في الصف، بظهر منحن على نحوٍ مبالغ فيه، كلما حاول أن يستقيم ألقت الحقيبة بحملها عليه بقسوة، حتى أصبح يتألم من تكرار محاولات الجلوس باستقامة.
سيان لديه الثناء أو اللوم، كلها أضافت أثقالا غير مرئية إلى داخله.
و دون أن يصوغ ذلك بعبارات واضحة، كان يشيع السعادة في قلوب جميع من حوله، لكنه يبكي بصمت عند انفراده بذاته أيضا، يخاف بشدة من الظلام، وتصيبه نوبات هلع من بيوت العنكبوت على الجدران.
إنه الطفل الذي تعلّم باكرًا بأن الدموع لا تقدر، وأن لا آذان صاغية لكل تساؤلاته الداخلية المتكررة، وأن الرغبة في التحليق خارج السرب سلوك غير لائق، وأن قوانين الحرب لاتستثني الأطفال.
رافقته حقيبته على الدوام، حتى في لحظات خسارة اللعب مع زملائه في مقعد الصف، وحينما يسمع جملة عابرة تُذكّره بأنه "أصبح كبيرا".
كل ذلك كان يوقظ شعورا خفيا يطرق جدار الحقيبة بإصرار من الداخل، يحتاج هواء...أو اعترافا
لكنه خاف أن يفتح الحقيبة فينحل النظام الذي بناه حول نفسه،
ليحتمي في سرعة إلى قانون ضبط الإنفعال.
إن فتح الحقيبة يعني فتح تاريخٍ كامل من المشاعر الحبيسة؛ وأن التاريخ المتراكم، حين يعود ليس ضيفا مهذبا، بل إنه عدو مؤجل.
حاول الركض في ساحة المدرسة بخفة لكنه لطالما وقع وتعثر في سبيل ذلك، حريصا على تفقد حقيبته في كل مرة يهم بالركض، لكأنه يحمل كأسا زجاجية قابلة للكسر.
وهو يعلم حق العلم بأن الحقيبة ليست هشة كما يظن، لكنه يخشى صوت التحطم.
مع مرور الوقت، صار الحمل جزءًا من هويته.
لم يعد يسأل: لماذا أحمل الحقيبة معي دائما؟
بل أصبح السؤال: من أكون إن لم أحمل الحقيبة؟
كانت تعريفًا ودليلًا ملموسا على نجاحه في "احتواء نفسه".
شتان بين الإحتواء و " الإحياء".
ذلك التعب الوجودي؛ تعب لعب دور القوة، وتكرار العبارة المزيفة: "أنا بخير".
وضع الحقيبة أمامه وهو ينظر إليها بصمت، بعيدا عن درامية اللحظة، فقط صدق بارد.
مدّ كفه بتردد...
فك وثاقها ببطء، في قعر الحقيبة يقبع طفل متكور على نفسه، يتطلع إليه في صمت بعينان واسعتان مرهقتان من طول الانتظار.
شعر برعشة تسري في جسده كله.
الطفل هو ذاته الأولى التي سبقت كل الأقنعة،
أخرجه برفق، ووضعه على الأرض.
وفي اللحظة التي لامست فيها قدما الطفل الأرض، تفتحت الأزهار بسرعة ودعة، دهشة أولى عميقة كامنة في الروح
تزهر بحياة جديدة قادمة.
"تحرر الطفل" وتحول إلى حديقة أزهار متفرعة نحو السماء، ومتجذرة في باطن الأرض، شعر الطالب بأن كتفاه خفيفان للمرة الأولى وإلى الأبد
وبأن المسؤولية تحققت في فك وثاق أسر الطفل والسماح لروحه بأن تحلق وتزهر بنضج في مكان آمن.
التفت إلى الحقيبة الفارغة من الأصوات.
لم تكن مخيفة، ولم تعد ثقيلة.
-"إنها مجرد حقيبة !".
وقف بقوة واستقامة وسط حديقة تتسع داخله وخارجه،
مدركا أخيرًا أن ثقل الحقيبة لم يكن سوى بذرة بحاجة لأرض صالحة للزراعة.
ربيع ٢٠٢٦
