المرأة بين مطرقة المجتمع وسندان الواقع

 




بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة 


ليست المرأة كائنًا ضعيفًا كما يحلو للبعض أن يختصر صورتها، وليست أيقونة مثالية بلا شقوق كما تحب بعض الخطابات أن تلمّعها. المرأة، ببساطة، كائن إنساني يمشي في طرق وعرة، يحمل فوق كتفيه أعباء الحياة، ويُطالَب في الوقت نفسه أن يبتسم، ويصبر، وينجح، ولا يشتكي. وبين ما يُفرض عليها اجتماعيًا، وما تُحاصَر به اقتصاديًا، وما تُشوَّه به إعلاميًا، تخوض المرأة معركة يومية غير مرئية، معركة إثبات الذات والبقاء بكرامة.

التحديات التي تواجه المرأة لا يمكن اختزالها في مشكلة واحدة أو شعار موسمي، فهي شبكة معقدة من الضغوط تبدأ من البيت، وتمر بالشارع، ولا تنتهي عند أبواب العمل أو الشاشات. هناك التحدي الاجتماعي الذي ما زال يضع المرأة في قوالب جاهزة، يحدد لها ما يجب أن تحلم به، وكيف تتكلم، ومتى تصمت. يُقاس نجاحها غالبًا بمدى رضا الآخرين عنها، لا بمدى رضاها عن نفسها، وكأن حياتها مشروع جماعي يملك الجميع حق التدخل فيه.

ثم يأتي التحدي الاقتصادي، حيث تعمل المرأة أحيانًا ضعف ما يعمل غيرها، وتحصل على نصف التقدير. فرص غير متكافئة، فجوات في الأجور، ونظرة تشكك في قدرتها على القيادة واتخاذ القرار. ومع ذلك، تُطالَب بأن تكون مستقلة وقوية، دون أن تُمنح الأدوات الحقيقية لهذه القوة. تناقض مرهق، لكنه واقع تعيشه ملايين النساء يوميًا.

ولا يمكن تجاهل التحدي النفسي، وهو الأخطر والأكثر صمتًا. ضغوط متراكمة، شعور دائم بالذنب، خوف من الفشل، وقلق من نظرة المجتمع. تُربَّى كثير من النساء على فكرة التضحية المستمرة، حتى ينسين أنفسهن، وحين يتعبن يُسألن: لماذا كل هذا الإرهاق؟ كأن التعب جريمة غير مبررة.

أما الإعلام، فله دور مزدوج، قد يكون طوق نجاة أو أداة هدم. في كثير من الأحيان، يقدّم المرأة إما بصورة الضحية الدائمة، أو النموذج المثالي المستحيل، وفي الحالتين يُفقدها إنسانيتها. تُختزل قضاياها في “تريند”، وتُناقَش آلامها بسطحية، أو تُستغل معاناتها لجذب المشاهدات، لا لإحداث وعي حقيقي.

علاج هذه التحديات لا يبدأ بالشعارات، بل بتغيير زاوية الرؤية. إعلاميًا، نحن بحاجة إلى خطاب أكثر صدقًا وعمقًا، خطاب يرى المرأة كإنسان كامل، يخطئ ويصيب، ينجح ويتعثر. تقديم نماذج حقيقية لنساء من مختلف الطبقات والخلفيات، لا بطولات خارقة، بل قصص كفاح يومية تشبه الواقع. إعلام يُنصت قبل أن يتكلم، ويشرح قبل أن يُدين، ويُضيء الطريق بدل أن يكتفي بوصف الظلام.

كما أن الحل يكمن في إعلام يفتح مساحات للحوار، لا للمزايدة، ويعالج القضايا من جذورها، لا من قشورها. إعلام يربط بين التحديات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، ويُظهر أن تمكين المرأة ليس معركة ضد الرجل، بل خطوة نحو مجتمع أكثر توازنًا وعدلًا.

وفي النهاية، التحديات التي تواجه المرأة ليست قدرًا محتومًا، بل واقع قابل للتغيير حين تتغير العقول قبل القوانين، وتتحول الكلمة من أداة حكم إلى أداة وعي. المرأة لا تطلب امتيازات، بل حقها الطبيعي في أن تعيش حياتها كاملة، دون أن تُكسَر في منتصف الطريق. وحين تُمنَح هذا الحق، لا تنهض وحدها، بل ينهض المجتمع كله معها.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology